من نشرة التاسعة إلى لايف الحادث

بقلم الكاتب ياسر زينهم
كانَ زمان
إذا قيلَ نشرةُ التاسعة قامَ البيتُ كلهُ
كانَ المذيعُ يُنتقى بعناية نطقٌ سليم إلقاءٌ رصين مظهرٌ يليقُ بالخبر
كانَ الخبرُ هيبة والكلمةُ مسؤولية والصوتُ أمانة
وكانَ الشعبُ يجلسُ ينتظر لا ليتفرج بل ليفهم
أما اليوم؟
فافتحْ أيَّ منصةٍ تجد أخبار الأهرام أخبار الجمهورية حوادث هنا وحوادث هناك
قتلٌ وسرقةٌ واغتصابٌ على مدارِ الساعة
والعنوانُ الدائم تعالَ اتفرج
الشعبيُّ صارَ مذيعاً
والشارعُ صارَ استوديو
وكلُّ من يملكُ هاتفاً صارَ ينقلُ الحادثَ لايف
الدمُ يُبثُ مباشراً والصراخُ يُسجل والضحيةُ تُصورُ قبلَ أن تُسعف
ضاعتِ القداسةُ وضاعتِ الحرمة
صارَ الخبرُ سلعة والتراجيديا محتوى والحزنُ ترند
زمانٌ كانوا يخافونَ على مشاعرِ الناس فيختارونَ اللفظَ ويهذبونَ الصورة
واليومَ نخافُ أن يسبقنا غيرُنا بلقطة فننشرُ كلَّ شيءٍ دونَ ميزان
السؤالُ الذي يوجع
هل كثُرتِ الحوادثُ حقاً أم أننا صرنا نراها أكثر؟
هل صارَ المجتمعُ أكثرَ عنفاً أم أن الخوارزمياتِ علمتنا أن الدمَ يجلبُ المشاهدات؟
لقد تحولنا من متلقينَ للخبرِ إلى متفرجينَ على الكارثة
ومن باحثينَ عن المعلومةِ إلى باحثينَ عن الإثارة
ونسِينا أن خلفَ كلِ خبرِ قتل بيتاً انهد وخلفَ كلِ سرقة لقمةً انقطعت وخلفَ كلِ اغتصاب روحاً كُسرت
يا سادة
الإعلامُ ليسَ نقلَ بشاعة
الإعلامُ وعي
والكلمةُ ليستَ نقراً على الشاشة الكلمةُ عهد
ومن لم يستطعْ أن ينقلَ الخبرَ بأدبٍ ومسؤولية فليصمت
أعيدوا لنا نشرةَ التاسعة
لا بصوتِ مذيعٍ واحد بل بضميرِ أمة
خبرٌ بلا دم وتحليلٌ بلا تشهير ونقلٌ بلا تربحٍ من الألم
فالحوادثُ ستظل
ولكن لا تجعلوا منها وجبةً يوميةً نتسلى بها
فنحنُ بشر لا جمهور



