مقال

قراءة تحليلية لكتاب عصر الانفلات للدكتور منصور الجنادي

 

بقلم: هالة المغاوري

في إطار الحراك الثقافي العربي في أوروبا، استضاف المركز الثقافي المصري في فيينا ندوة فكرية لمناقشة كتاب “ عصر الانفلات  حياتنا اليوم ومستقبل الإنسان” للدكتور منصور الجنادي، وذلك بالتعاون مع “البيت العربي للثقافة والفنون”، في فعالية جمعت بين الفكر والتحليل، وطرحت أسئلة عميقة حول مستقبل الإنسان في عصر التحولات المتسارعة.

 

وجاءت هذه الندوة ضمن سلسلة من الفعاليات الثقافية المشتركة، التي تعكس استمرارية التعاون بين المؤسستين، في دعم الحوار الثقافي وتعزيز حضور الفكر العربي في الخارج.

أقيمت الندوة في مقر المركز الثقافي المصري، حيث لعب سيادة المستشار الدكتور خالد أبو شنب، المشرف على المكتب الثقافي المصري، دورًا رئيسيًا في دعم وتنظيم هذه الفعالية، في إطار تعزيز النشاط الثقافي المصري في النمسا.

كما نُظمت الفعالية بالتعاون مع “البيت العربي للثقافة والفنون” برئاسة الأستاذ محمد عزام، الذي أكد على عمق العلاقة الممتدة بين الجانبين، والتي أثمرت عن تنظيم عدد من المعارض والندوات الثقافية على مدار السنوات الماضية.

وتولى إدارة الحوار الكاتب والمترجم الأستاذ محمد العشري، الذي أدار النقاش بأسلوب احترافي، جامعًا بين التحليل العميق والطرح المبسط، ما أتاح تفاعلًا فكريًا ثريًا مع الحضور.

وشهدت الندوة حضور المستشار محمد البحيرى، قنصل مصر، إلى جانب ممثلين عن عدد من السفارات، فيما تولت منصة “النمسا ميديا إنفوجرات” توثيق الفعالية، في تأكيد على أهمية الدور الإعلامي في نقل الحراك الثقافي.

ينطلق كتاب “عصر الانفلات” من فرضية أساسية مفادها أن العالم دخل مرحلة جديدة، لم تعد فيها الظواهر الكبرى قابلة للسيطرة.

فالإنسان اليوم يعيش في ظل “انفلاتات” متعددة تشمل المناخ، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والسياسة، والهجرة، والقيم.

ولا تكمن خطورة هذه التحولات في كل منها على حدة،

بل في ترابطها، حيث تتداخل الأزمات لتشكل منظومة معقدة يصعب تفكيكها.

يقدم الكتاب تصورًا واضحًا لهذه الدائرة المتشابكة:

الأزمات الاقتصادية تؤدي إلى اضطرابات سياسية،

والاضطرابات السياسية تعيق قرارات المناخ،

وتغير المناخ يدفع إلى موجات هجرة،

والهجرة تؤثر على الاستقرار الاجتماعي والسياسي،

لنعود مجددًا إلى نقطة البداية.

يرجع هذا المسار إلى التحول الذي شهده العالم منذ القرن السابع عشر،

حين بدأ الإنسان في الاعتقاد بقدرته على السيطرة على الطبيعة عبر العلم.

هذا التحول، رغم ما حققه من تقدم،

أدى إلى ظهور تحديات جديدة،

أصبح الإنسان نفسه عاجزًا عن السيطرة عليها بالكامل.

يطرح الكتاب رؤية متقدمة للذكاء الاصطناعي،

باعتباره “كائنًا رابعًا” يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا.

فلم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة، بل أصبح عنصرًا فاعلًا يؤثر في التفكير والسلوك،

ويطرح تساؤلات حول حدود الوعي الإنساني.

يتجاوز الكتاب المفهوم التقليدي للهجرة، ليطرحها كتجربة ذهنية وإنسانية عميقة.

فالهجرة لم تعد انتقالًا مكانيًا فقط،

بل أصبحت تعبيرًا عن حالة من التعدد الهوياتي،

حيث يعيش الإنسان بين ثقافات وعوالم مختلفة.

في هذا السياق، ينتقد الطرح النظرة الجامدة للهوية، مؤكدًا أنها كيان متغير يتشكل عبر الزمن والتجربة. فالتمسك بها بشكل جامد، قد يتحول إلى عائق،

بدلًا من أن يكون مصدر قوة.

في العصر الرقمي، لم تعد القيم تُشكَّل فقط عبر التربية أو الثقافة،

بل عبر الخوارزميات التي تحدد ما نراه وما نهتم به. وهذه الخوارزميات لا تعكس “الأكثر عدلًا”، بل “الأكثر انتشارًا”، ما يؤدي إلى إعادة إنتاج انحيازات قائمة،

وتآكل تدريجي للضمير.

يخلص الكتاب إلى نتيجة مهمة:

أن العلم، رغم إنجازاته، لم يعد كافيًا وحده. فالتقدم العلمي الذي حسّن حياة الإنسان، هو ذاته الذي ساهم في خلق التحديات التي يواجهها اليوم.

كحل لهذه الإشكالية، يطرح الكتاب مفهوم “الحكمة 2.0”،

التي تقوم على تحويل القيم من مجرد مبادئ نظرية

إلى ممارسات عملية،

من خلال تأسيسها داخل المؤسسات،

وربطها ببنية السلطة والمساءلة.

لا يقدم الكتاب إجابات نهائية،

بل يضع الإنسان أمام لحظة اختبار حقيقية. إما أن يستمر في وهم السيطرة، أو أن يعيد تعريف علاقته بالعالم، على أساس من التوازن والتواضع. في عالم تتسارع فيه التحولات، لم يعد التحدي في المعرفة فقط، بل في القدرة على توجيهها.

وهنا، يبقى السؤال مفتوحًا:

هل يستطيع الإنسان أن يواكب ماصنعه  أم أن العالم بات أسرع منه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى