مقال

الأمم المنتصرة على أعدائها

بقلم / محمـــد الدكـــروري
ورد في الأثر روى سفيان بن عيينة عن سفيان بن سعيد عن مسعر قال “بلعنى أن ملكا أمر أن يخسف بقرية، فقال يا رب فيها فلان العابد، فأوحى الله إليه أن به فابدأ، فإنه لم يتمعر وجهه ساعة قط” وقال مالك بن دينار إن الله عز وجل “أمر بقرية أن تعذب، فضجت الملائكة قالت إن فيهم عبدك فلانا، قال اسمعونى ضجيجه، فإن وجهه لم يتمعر غضبا لمحارمى” أى هو صالح في نفسه لكنه ليس مصلحا

فان الأمم المنتصرة على أعدائها، أمم حققت نصرا داخليا أولا، وحقق كل واحد من أبنائها نصرا على الصعيد الشخصي من خلال تغييره ما في نفسه، وإن الاهتمام بإصلاح الدنيا من شيمة المؤمن، فقال تعالى فى سورة الأنبياء ” ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادى الصالحون” وإن مهمة الصالحين هي العناية بالأرض والعمل على استقامة الحياة البشرية وأن يكون زمامها بيد الصالحين المصلحين.

وكما يكونون ورثة الفردوس في الآخرة، لابد وأن يكونوا ورثة الأرض، فهل من الممكن أن يكونوا وارثين مكفوفي الأيدي؟ لا طبعا، وإن الصلاح والإصلاح هو ضد الفساد ونقيضه، وهي مصطلحات شرعية ربانية، أوردها الله تعالى في كتابه المحكم العزيز، وجاءت في القرآن على نحو كبير يربو على السبعين بعد المائة من آيات القرآن الكريم، وإن واقع المسلمين اليوم يُنبئ عن وجود حاجة وضرورة ماسة وملحة إلى الإصلاح الشامل

حيث تتجاذب الاتجاهات والأفكار، وغيرها إلى ميدان الإصلاح، وكل اتجاه يحسب أنه المصلح لهذه الأمة حتي تاهت الأمة، وضاعت معالمها، ولكي نصلح من حال أمتنا لابد من التعرف على منهج الأنبياء والرسل في الإصلاح في ضوء القرآن الكريم، وإذا أردنا النهوض بأمتنا إلى بر الأمان وإنقاذها مما هي فيه من الهوان فعلينا أن نستوعب منهج الأنبياء والرسل في الإصلاح.

وكيف دعوا أقوامهم إلى الفلاح بعد أن كانوا مختلفين وعن الحقيقة متفرقين،أي كانوا أمة واحدة فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، فقال ابن عباس رضى الله عنهما “كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين” وقال تعالى تعالى فى سورة النساء ” رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما” ولقد كان منهج الأنبياء والرسل الكرام عليهم السلام، يتثمل في تحقيق التوحيد الخالص لكي يتحقق وعد الله بالاستخلاف في الأرض، والتمكين ونشر الأمن بعد الخوف، لابد من تحقيق التوحيد الخالص، ولقد بعث الله الأنبياء لمهمة واحدة، هي عبادة الله وحده لا شريك له كما جاء في كتاب الله تعالى، وأما التوحيد الذي آمن به المشركون ولم يدخلهم في الإسلام فهو توحيد الربوبية، أي توحيد الله بأفعاله وأفعال الله هي الخلق والرزق وتدبير الأمور.

والإحياء والإماتة وهذا التوحيد لا يدخل به المرء في الإسلام، ولا ينفعه يوم القيامة، إلا إذا آمن بتوحيد الأنبياء لأن مشركي العرب كانوا يؤمنون بتوحيد الربوبية، وإن من الإصلاح هو إصلاح الأوضاع الفاسدة، حيث يتمثل إصلاح الأوضاع القائمة في مرحلتين مستقلتين عن بعضهما، فالمرحلة الأولى وهى الإصلاح قبل التمكين فبعد أن دعا أنبياء الله تعالى إلى التوحيد الخالص، قاموا بإصلاح ما أفسده الناس في جميع شؤون الحياة، ومن تلك الإصلاحات، هو إصلاح الوضع السياسي، فلقد تمكن فرعون وملؤه من صد الناس عن عبادة الله بالهيمنة على الوضع السياسي القائم، إذ أجبروا مجموعة من الشبان على تعلم السحر ليفرضوا سيطرتهم على المجتمع ويصدوهم عن عبادة الله تعالى، فقال ابن عباس رضي الله عنهما “أخذ فرعون أربعين غلاما من بني إسرائيل، فأمر أن يُعلموا السحر، وقال علموهم تعليما لا يعلمه أحد في الأرض.

فبعث الله تعالى موسى عليه الصلاة والسلام فدعاهم إلى وحدانية الله، وأبطل ما كانوا عليه من السحر بالمناظرة التي انتهت بإيمان السحرة، ويتبين ذلك من قول أولئك السحرة لما آمنوا بالله تعالى، إذ لم يرهبهم التهديد والوعيد، فقال تعالى فى سورة طه ” إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى” فالإصلاح السياسي لابد أن يبدأ من الحاكم بإقامة دين الله وتحري العدل وأن الدعائم التي تقوم عليها الدولة هي الشورى، والعدالة، والمساواة، ووجود القوة والهيبة للدولة، مع الاهتمام ببطانة الحاكم وموظفيه، فقام الأنبياء بإصلاح هذه الأشياء.

osama elhaowary

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *