القرارات الحبرية وقانون الغاب الاقتصادي: عندما تحكم “البلطجة” علاقات العمل

بقلم: شريف السبع (الباحث العمالي)
لم يعد الصمت ممكناً، ولم تعد مساحات الموازنات والمناورات الاقتصادية الباردة تتسع لمزيد من التدليس. إن ما يشهده سوق العمل اليوم، وتحديداً في ملف الحد الأدنى للأجور، ليس مجرد تعثر اقتصادي أو وجهات نظر متباينة بين أطراف الإنتاج؛ بل هو تواطؤ معلن، وانبطاح كامل من قِبل “المجلس القومي للأجور” والحكومة أمام سطوة رجال الأعمال، على حساب دماء وقوت ملايين العمال الذين باتت حياتهم بؤساً مقيماً.
لقد تحول غياب المجلس القومي للأجور عن مواعيده الدورية، وتأخره المعتمد في إصدار القرارات أو تفعيلها، إلى آلية ممهورة بختم رسمي لشرعنة سرقة أجر العامل. في الغرف المغلقة المكيفة، يتحدثون عن “توازن السوق” و”حماية الاستثمار” و”معدلات التضخم”، وفي غمرة هذه الأرقام الجافة، يسقط عمداً شريان الحياة لأسرة كاملة. الأجر في المفهوم الرأسمالي المتغول ليس سوى بند تكلفة يتم تقليصه لتعظيم الأرباح، أما في مفهوم العدالة الاجتماعية، فالأجر هو الكرامة الإنسانية ذاتها، وبدونه يتحول العمل الشاق إلى “سخرة مقنعة”.
إن الأزمة الحقيقية لم تعد في صدور القرار من عدمه، بل في “الملهاة” المسماة بآليات التنفيذ. لقد تركت السلطة التنفيذية المصانع والشركات والورش لتدار بقانون “العركة”؛ عركة شوارع غير متكافئة، يمتلك فيها صاحب العمل النفوذ، والمال، وقوة السلاح القانوني واللاقانوني، بينما يقف العامل عارياً ومستفرداً به.
بأي منطق قانوني أو أخلاقي يُجبر عامل على التنازل عن حقه الملزم في الحد الأدنى للأجور تحت تهديد “استمارة 6” الموقعة مسبقاً، أو سلاح “إيصالات الأمانة” التي تحولت إلى مشانق معلقة على رقاب الشغيلة؟ كيف نطلب من عامل أن يلوذ بالقانون، ومنظومة التقاضي العمالي عقيمة وبيروقراطية تستغرق سنوات، في وقت يعيش فيه العامل وأسرته يوماً بيوم؟ إن بطء العدالة في قضايا العمل هو انحياز كامل لصاحب العمل الذي يملك رفاهية الوقت والمناورة.
لقد تم إفراغ الحماية العمالية من مضمونها؛ مكاتب تفتيش تابعة لوزارة العمل مشلولة الإرادة أو عاجزة، وملف “استثناءات” مفتوح على مصراعيه لتهرب الشركات دون رقابة على ميزانياتها الحقيقية، والأخطر من ذلك كله هو التجريف المستمر للحركة النقابية، وتدجين الكيانات التي يفترض أن تكون درعاً جماعياً للعمال. عندما تُغيب النقابة القوية المستقلة، يصبح الاستفراد بالعامل الفرد أمراً حتمياً.
إننا أمام واقع يفرض فيه القوي شروطه اللصوصية، ويُجبر الضعيف على القبول بالفتات لمجرد البقاء على قيد الحياة. إن القرارات التي لا تحميها منظومة رقابة صارمة، وتغليظ للعقوبات يصل إلى حد الحرمان من التسهيلات والدعم الإداري، وتحويل إجباري للأجور عبر البنوك، هي قرارات لا قيمة لها، وولدت ميتة.
إن “قانون البلطجة الاقتصادية” السائد حالياً في مواقع الإنتاج لن ينتج استقراراً، والدولة التي تظن أنها ترضي رجال الأعمال بتأخير أو التغاضي عن تنفيذ حقوق العمال، إنما تغرس بذور انفجار اجتماعي قادم لا محالة. الأجور ليست منحة ولا صدقة، بل هي حق دماء وعرق، وطالما غابت الإرادة السياسية والتنفيذية لحمايتها، سيظل أي حديث عن التنمية أو العدالة مجرد رماد يُذر في العيون.



