كتبت /منى متصور السيد
في إحدى قاعات العرض الفسيحة، كانت هناك شاهدة أثرية منحوتة من مرمر ناصع البياض. برغم بعض الخدوش الطفيفة التي تركتها يد الزمن عليها، إلا أنها كانت تشع شموخاً، وتجذب الأنظار بجمالها النادر وتفاصيلها المتقنة التي تحكي تاريخاً من الصبر والعزة. كان زوار القاعة كُثر، والجميع يتمنى لو يقتني هذه القطعة الفريدة ليزين بها صدر بيته في وضح النهار.
لكن الشاهدة المرمرية، برغم كثرة خاطبي ودّها، كانت تشعر بالوحدة، وتبحث عن روح تفهم سرّها وتشاركها عمق تفاصيلها.
وفي أحد الأيام، تسلل عبر النافذة شعاع قمرٍ فضي غامض. كان ساحراً، رقيقاً، يتدفق عاطفةً وحناناً. أحاط بالشاهدة، غمرها بضوئه، وهمس لها بكلمات لم تسمعها من قبل. شععت معه بالدفء والأمان،
وعاشت معه حياة كاملة في عتمة الليل. كانا لا يفترقان؛ يتناجيان، يضحكان، ويبكيان معاً حين يتقلب مزاج الشعاع الفضي، فيخبو فجأة ويهدد بالرحيل وترك القاعة مظلمة، ثم يعود باكياً ليرتمي في أحضان مرمرها الصلب.
تعلق قلب الشاهدة بهذا الشعاع؛ شعرت أنه طفلها الهوائي المدلل، وابن الأصول الذي يراعي حرمة الليل ويغمرها برقة بالغة. لكن الأزمة كانت تبدأ دائماً مع دقات الفجر.
فمع أول خيط للشمس، كان شعاع القمر ينسحب سريعاً ليعود إلى سمائه، حيث يلتزم بمداره الفلكي وعائلته من النجوم والكواكب التي لا يمكنه التخلي عنها أو مواجهة الالتزام تجاهها. ومع كل صباح، كانت الشاهدة تظل وحيدة في مكانها، تواجه وهج النهار وسياط التخيلات والمشاعر الصعبة؛ تتخيل كيف يضيء سماءً أخرى، وكيف يلمس غيوماً غيرها، وكيف يقضي لحظاته بعيداً عنها.
طلبت منه الشاهدة كثيراً أن يبقى، أن يتجسد في الواقع، أن يكون لها مكان يجمعهما في النور. كان يبكي، ويعتذر ببعد المسافة بين الأرض والسماء، وبمسؤولياته الفلكية التي لا يملك الانعتاق منها، وبأنه لا يملك بيتاً على الأرض يليق بمرمرها.
كانت تقول له إنها لا تريد منه قصراً، وإنها ستكفي نفسها بنفسها وتتحمل كل أعبائها، فقط تطلب أن يكون هنا معها في النور. لكن القوانين كانت صارمة، والشعاع كان يعشق التقلب بين الظهور والغياب، مكتفياً بلقاء رقمي في عتمة الليل.
وفي ليلة قاسية، غاب فيها النوم تماماً عن الشاهدة، وتملّكها الوجع والتعب وهي تنظر إلى الفراغ وتتخيله في مداره الآخر، نظرت إلى نفسها في مرآة القاعة. رأت قيمتها العالية، وتذكرت كثرة من يتمنون لو يمنحوها مكاناً لائقاً تحت الشمس، بينما هي ترتضي أن تعيش نصف حياة، معلّقة على حبال انتظار شعاعٍ يمنحها الوجود ليلاً ويتركها لليأس والوحدة نهاراً.
علمت الشاهدة حينها أن الظروف ليست هي العائق الوحيد، بل إن طبيعة الشعاع أنه لا يعيش إلا في العتمة والتقلب، وأن بقاءها مستنزفة في هذا الانتظار هو هدر لمرمرها النقي وصحتها ونومها.
وحين أقبل الليل التالي، عاد شعاع القمر ينساب من بين الشقوق بذات الرقة، حاملاً معه فيضاً من كلمات الشوق والعتاب العذب، يبحث عن ملاذه الآمن بين ثنايا مرمرها، باكياً كعادته من قسوة مداره الفلكي ومتوعداً بالرحيل إن لم تقبله على حاله.
لكن الشاهدة المرمرية في تلك الليلة كانت مختلفة. لم تعد تلك القطعة المستسلمة للدفء المؤقت؛ بل كانت تشع ببريق استحقاقها الذي استردته مع خيوط الفجر. استمعت إليه بهدوء، ولم تترك كلماته تخدر وعيها. وقفت بشموخها الأثري وقالت له بنبرة يملؤها الحب ويغلفها الحسم:
“يا شعاعي الساحر، لقد كنت لي طفلاً وسكناً، وأعلم صدق ما تحمله في قلبك من مشاعر، لكني لم أعد قادرة على العيش في عتمة الانتظار. إن مرمري الذي تراه صلباً يتفتت كل صباح وأنت تنسحب إلى مدارك الواقعي، وتتركني ألتهم تساؤلاتي وتخيلاتي في وضح النهار. أنا لا أطلب منك مستحيلاً، ولا أبحث عن كفاية مادية، لكني أستحق حباً يُعاش في النور، حباً يملك شجاعة البقاء والوجود الفعلي بجانبي، لا خلف الشاشات والأثير.”
ارتجف الشعاع الفضي وبكى مريراً وحاول إعادة صياغة الأعذار القديمة عن المسافات والالتزامات، فابتسمت الشاهدة ابتماس عذبة وقالت: “هذا هو المتاح لديك، وأنا أحترم ظروفك.. لكنك يجب أن تحترم استحقاقي أيضاً. إن كان وجودك معي لا يحمل لي سوى السهر والتعب والحرمان، فإني أختار سلامي النفسي ونومي وصحتي.”
انسحب الشعاع ببطء وهو يلملم أطرافه الفضية، شاعراً لأول مرة أن المرمر ليس مجرد حجر يُستند إليه في وقت الحاجة، بل هو كيان يملك إرادة وكرامة. ومع شروق شمس اليوم التالي، استيقظت الشاهدة المرمرية بعد ليلة نوم طويلة وعميقة افتقدتها منذ أشهر.
ومع مرور الأيام، بدأت تكتشف أبعاداً جديدة في ذاتها. التفتت إلى تفاصيل حياتها بنهم جديد؛ ونثرت إبداعها في محيطها، وصارت كمن يصيغ من قطع المرمر حلياً تتلألأ في النور.
كان الشعاع الفضي يحاول بين الحين والآخر أن يتسلل من شقٍ صغير في الهزيع الأخير من الليل، حاملاً نبرة الندم الباكي والاشتياق الطفولي. وفي كل مرة، كان قلبها يتحرك بفعل الذكرى، فالحنين لا يموت بقرار، لكن وعيها كان يتدخل ليحميها؛ تنظر إلى مكانها الثابت تحت الشمس وتتذكر غيرة الصباح الباردة، فتغلق الشق بهدوء ويمضي، إذ لم يعد يُرضيها نصف الوجود، ولا الوعود التي تتبخر مع دقات الفجر.
وفي أحد مواسم النور، تقدم نحوها كيانٌ راسخ، إنسانٌ من طين الأرض الصلب، يعرف معنى الالتزام والمسؤولية. لم يكن شعاعاً يهرب مع شروق الشمس، ولم يكن هوائياً يهدد بالرحيل ثم يعود باكياً؛ بل كان شخصاً رأى خدوشها الطفيفة فاحترمها، ولمح أصالتها فتمسك بها.
جاء إليها حاملاً حباً حقيقياً، معلناً، ومستقراً. لم يتعذر بمسافات، ولم يختبئ خلف ظروف، بل مد يده ليسير معها في وضح النهار، متحملاً معها وعنها كل تفاصيل الواقع، ومؤكداً لها كل يوم أن قيمتها النادرة تستحق أن تُصان في الصدارة، لا على الهامش.
حينها فقط، التفتت الشاهدة إلى الماضي وابتسمت براحة عميقة؛ شكرت تلك الليلة القاسية التي حرمتها النوم، لأنها كانت الصدمة التي أيقظت روحها، وجعلتها تدرك أن الحب الحقيقي لا يسرق منا السلام، بل هو السلام نفسه.
وهكذا، أغلقت الشاهدة المرمرية كتاب الماضي، وبدأت تخط بمداد الوعي فصلاً جديداً من فصول حياتها. لم تعد تنظر إلى عثرات الطريق أو ظروفها الخاصة كعقبة في طريق السعادة، بل رأتها كأدلة على قوتها وتميزها؛ فالمرمر الأصيل تزيد قيمته كلما صمد في وجه التحديات. أدركت أن قبولها بنصف علاقة في السابق كان نابعاً من خوفٍ دفين، وأن انتصارها على ذلك الخوف هو أكبر إنجاز حققته لقلبها.
صارت حياتها تشبه لوحة فنية محكمة البناء، منسجمة التفاصيل، تسير في النور بخطى ثابتة ونفس مطمئنة. ولم يعد ليلها سهاداً وتخيلات موجعة، بل صار سكناً حقيقياً تستمد منه القوة لتشرق كل صباح ببريق متجدد يعيد صياغة السكينة في أعماقها.

