مقال

صراع الظلال وعرش الشرق الأوسط الكبير

دكتور احمد ابراهيم حنفي
​تقف المنطقة العربية والإقليم بحرامه الأوسع على خط زلازل جيوستراتيجية متلاحقة تجعل من التحركات الدولية والإقليمية شبيهة برقعة شطرنج دموية تديرها قوى الاستكبار والاستقطاب بأساليب غير تقليدية تنتمي مباشرة إلى ما يمكن تسميته بلعبة إبليس السياسية حيث تتحول الشعوب والدول والموارد إلى مجرد بيادق في مسرح أحداث مفتوح على كافة الاحتمالات.
​إن التدافع المحموم بين المعسكر الغربي الذي يسعى جاهدا للحفاظ على هيمنته الآفلة وبين تطلعات الشرق الأوسط المحكوم برهانات القوى المحلية والإقليمية الصاعدة يكشف عن عمق المأزق التاريخي الذي تعيشه جغرافيتنا اليوم. فالغرب لم يعد يتعامل مع الشرق الأوسط بمعايير الدبلوماسية التقليدية أو معاهدات السلام الظاهرية بل اتجه نحو إعادة هندسة الفوضى وتفتيت البنى الوطنية المستقرة عبر تحريك الأزمات المزدوجة وضبط إيقاع التوترات دون السماح لها بالوصول إلى حسم نائي يوفر الاستقرار المطلق لأي طرف.
​من جهة أخرى تفطنت القوى الإقليمية لخبث هذه اللعبة وبدأت في ممارسة أدوار متقدمة تهدف إلى مناورة الضغوط الغربية واستغلال الثغرات في المشهد الدولي المتغير والمليء بالتناقضات. هذا الوعي المتزايد أدى إلى تصاعد حالة الترقب والترهيب المتبادل وجعل من الصراعات الحالية حلبة استنزاف طويل الأمد لا تهدف بالضرورة إلى الانتصار السريع بقدر ما تسعى إلى فرض معادلات ردع جديدة تضمن البقاء والاستقلالية في وجه المخططات الوافدة من وراء البحار.
​تعتمد هذه اللعبة السياسية الخبيثة على تفكيك عناصر القوة الذاتية للمنطقة من خلال شحن النزاعات العرقية والطائفية وإشعال الحروب بالوكالة وتوظيف التكنولوجيا المتقدمة والحروب السيبرانية والضغوط الاقتصادية كأدوات تركيع هادئة ولكنها قاتلة. ولم يعد الهدف الغربي يقتصر على الاستيلاء المباشر على النفط أو السيطرة على المضايق المائية بل تعداه إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي وإفراغ المفاهيم الوطنية من مضمونها الحقيقي لتبقى الشعوب في حالة احتياج دائم للوصاية والتدخل الخارجي.
​يقف الشرق الأوسط اليوم أمام لحظة فارقة تشترط حسم خياراته إما باستمرار السقوط في دهاليز هذه اللعبة الشيطانية المجهزة يدويا في مطابخ القرار الغربي وإما بابتكار نموذج استقلالي حقيقي يتجاوز حدود الارتهان ويتيح لبناء استراتيجية عربية وإقليمية موحدة تقطع الطريق على العابثين بمصير المنطقة ومستقبل أجيالها القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى