اخبار

صراخٌ في العراء على أرصفة التهميش: حين يُقاس شرف الفقير برغيف العيش


بقلمي : جمال القاضي

بين قطارين: رفاهية بلا حدود وحياة بلا حد أدنى

في عالمٍ يموج بالتناقضات الصارخة، تتجلى العولمة في أبهى صورها حين يتعلق الأمر بتذليل العقبات أمام طائفة المترفين؛ تُشيد الطرق الممهدة بأحدث التقنيات، وتُسخَّر وسائل النقل الفارهة ليقطع الغني مسافته إلى منتجعه السياحي بأعلى درجات الراحة، مستقلًا سيارته الحديثة ( المجهزة بأعلى وسائل الأمان والتكنولوجيا والراحة)، او قطارًا مكيفًا، أو طائرته الخاصة، بينما يقف في ساحة الظل مجتمعٌ كامل من الفقراء والمهمشين يُترك لمواجهة غوائل القدر بصدور عارية.

ليس هذا مجرد تفاوت اجتماعي تقليدي، بل هو انفصال أخلاقي يزداد عمقاً كل يوم. وفي الوقت الذي تسيل فيه دماء المستضعفين على أرصفة الطرقات في حوادث مفجعة، كفاجعة الشرقية التي يُفقد فيها الآباء فلذات أكبادهم دفعة واحدة، تنشغل المجتمعات المخملية بجدل الرفاهية والسياحة، في مشاهد تختصر حقيقة مؤلمة وهي: لقد بات الموت جراء طلب العيش خبراً ثانوياً في شريط أنباء العالم.

عن المأساة والإجراءات السطحية: لماذا يفشل حظر عمل الأطفال؟

تستسهل المنظومات الإدارية والمؤسسات الدولية التنديد بظاهرة “عمل الأطفال” وإصدار التشريعات التي تحظره، وكأن المشكلة تكمن في رغبة هؤلاء الصغار في قضاء طفولتهم داخل المزارع أو المصانع!

يتناسى هؤلاء المشرّعون أن الطفل الذي يخرج لمواجهة لهيب الشمس وشظف العيش لم يختر ذلك رغبةً ولا رفاهية، بل دفعت به ظروف قاهرة:

إما أبٌ غيبه الموت وترك أسرة بلا عائل.
أو أمٌ مقعدة ينهكها المرض.
أو أنه الأخ الأكبر الذي تحتم عليه قطف شقاء الأيام ليعول إخوته الصغار.
أو رغبة بسيطة في توفير ثمن كراسة يتعلم بها، أو كسوة تُداري عوز الأيام.

إن تجريم عمل الطفل دون إيجاد البديل الكافي لأسرته ليس حلاً، بل هو صب للزيت على نار الفقر. أين المؤسسات والتكافل الاجتماعي الذي يمد يده ليكفل طفلاً حُرم من أدنى مقومات الحياة، بينما يشاهد أقرانه عبر الشاشات يرفلون في نعم لا تحصى في الفنادق والشاليهات؟

مشاهد من واقع لا يُجمّله الإعلام

إذا أردنا التفتيش عن المأساة، فلن نكون بحاجة إلى عروض درامية سينمائية، فالشارع يسرد قصصه يومياً بلا رتوش:

١- كرامة مُستلبة عند الفجر:
فهذا مسنٌ ينهكه المرض يسابق الضوء ليفتش بين النفايات عن بقايا طعام صالحة، كي يعود بها إلى صبيته قبيل استيقاظهم، موجهاً لهم كذبة بيضاء رحيمة: “لقد ابتعتُ لكم الطعام اليوم”.

٢- عفاف يُحاصر بالجوع:
أرامل ومطلقات يجدن أنفسهن في مواجهة خيارات أحلاها مر، بين الجوع الكافر الذي يفتك بأطفالهن، وبين الذئاب البشرية التي تستغل الحاجة لتساومهن على الشرف والعرض بلا شفقة ولا رحمة.

٣- مستشفيات بلا رحمة:
أروقة ممتلئة بأجساد أنهكها المرض من البسطاء، تتلقى العلاج كأنه حجر يُرمى في وجوههم، أو يُطردون إلى الصيدليات الخارجية بمتطلبات لا يملكون ثمنها، لتكون النتيجة صامتة: تدهور تدريجي فنهاية محتومة.

٤-أمهات يُقارعن العوز:
نساءٌ كريمات المنبت يرتضين القبول بالقسوة والخدمة في البيوت، يبتلعن الإهانة والصلف والأمر والنهي، فقط من أجل جلب لقمة حلال لأيتام يتضورون جوعاً.

فجوة الإنسانية: حين يتفوق الرفق بالحيوان على الرفق بالإنسان

من أكبر المفارقات التي يُعاني منها المجتمع اليوم هي الشيزوفرينيا الأخلاقية؛ حيث ترى أحدهم يُغدق العطاء بسخاء ويشتري أفخر الأطعمة لحيواناته الأليفة في القصور والفيلات، ثم يلتفت نحو امرأة مسنة يفترش جسدها الرصيف استعطاءً، لينهرها بجفاء قاطر ويقول لها: ( الله يسهلك ).

إن الإنسانية لا تتجزأ، والرأفة بالحيوان سلوك حضاري محمود، لكن أن تتقدم هذه الرأفة على أوجاع البشر المعذبين في الأرض، فهذا خرف أخلاقي بحاجة إلى مراجعة شاملة.

سبيل الخلاص: هل من مراجعة للضمير الإنساني؟

إن الحل لم يعد يكمن في الشعارات الففاضة أو الخطابات الوردية، بل إن أزمتنا الراهنة هي “أزمة ضمير” بالدرجة الأولى.

لذا هذا الأمر يتطلب:
١- تفعيل مؤسسات الرفق بالإنسان:
نحن بحاجة ماسة إلى إعادة ترتيب الأولويات، لتكون حماية الفئات الأكثر هشاشة، والمسح على رأس اليتيم والمحتاج والأرملة، على رأس أجندة الدول والمجتمعات.

٢- إعادة إحياء منظومة الزكاة والتكافل:
لو أن أصحاب الأموال والمليارات يُخرجون الحق المفروض عليهم قانوناً وشرعاً كما ذكر القرآن في مصارف الزكاة، لما وجدنا جائعاً ولا يتيماً يبيت على الطوى.

٣- العدالة في توزيع التنمية:
لا يستقيم أن تُنفق الملايين على الرفاهيات الاستهلاكية في حين تتداعى الخدمات الأساسية الموجهة للبسطاء.

واخيرا:
إن العبث باحتياجات البسطاء وتجاهل همومهم لا ينتج إلا مجتمعات ملؤها الاحتقان والحقد الطبقي. لم يعد لدى الفقراء ما يخسرونه، وإذا لم تلمس أيديهم الدفء والرحمة من المجتمع ومؤسساته، فإن الأيام التي يعيشها هؤلاء لن تحمل سوى المزيد من الفصل الأخير في مسلسل “دماء على الرصيف” وضحايا لقمة العيش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى