اخبار

سلسلة: المذاهب الفقهية.. لماذا اختلفوا وكيف نختلف؟سلسلة: المذاهب الفقهية.. لماذا اختلفوا وكيف نختلف؟

16 – كيف تعامل الفقهاء مع أقوال الصحابة ؟

بقلم: د. كامل عبد القوى النحاس

تنويه منهجي:

هذا مقال صحفي علمي تثقيفي، وليس بحثًا أكاديميًا أو دراسة أصولية استقصائية؛ نعرض فيه ما يخدم الفكرة، ونترك التفاصيل والتفريعات لكتب الفقه وأصوله.

في المقال السابق عرفنا أن قول الصحابي قد يكون نقلًا عن رسول الله ﷺ، وقد يكون اجتهادًا منه.

لكن ماذا يصنع الفقيه حين لا يجد قولًا واحدًا،
وإنما يجد أقوالًا متعددة لصحابة في المسألة نفسها؟

هنا تبدأ مرحلة جديدة من رحلة الفقه:

كيف يدير الفقيه اختلافًا صدر عن خير القرون؟

عندما اختلف الصحابة
لم يكن الصحابة على درجة واحدة في العلم والحفظ وشهود الوقائع؛ فقد يسمع أحدهم ما لا يسمعه غيره، ويشهد واقعة لا يشهدها سواه، ويفهم نصًا على وجه يختلف عن فهم صحابي آخر.

ولهذا وقع بينهم الاختلاف في بعض المسائل الاجتهادية.

فإذا وجد الفقيه أقوالًا متعددة للصحابة، لم يكن أمامه أن يختار قولًا لمجرد أن قائله صحابي، ولا أن يضع الأقوال كلها في مرتبة واحدة.

بل ينظر إلى ثبوت القول، ومستنده، ودلالته، وما يؤيده من النصوص والآثار.
وقد ينتهي إلى ترجيح أحد الأقوال، أو الجمع بينها إذا كان اختلافها راجعًا إلى اختلاف الأحوال.

وهكذا لم يكن اختلاف الصحابة نهاية الطريق، بل أصبح جزءًا من المادة العلمية التي واصل الفقهاء النظر فيها عبر الأجيال.

القرء.. كيف صنعت كلمة واحدة طريقين في الفقه؟

خذ مثالًا قريبًا من حياة الناس: عدة المطلقة.

قال الله تعالى:
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228].

العدة هنا معلومة: ثلاثة قروء.

لكن ما القرء؟

هنا يبدأ السؤال الذي امتد أثره قرونًا:

هل القرء هو الحيض أم الطهر؟

ليست المسألة خلافًا لغويًا مجردًا؛ لأن تحديد معنى القرء يؤثر في طريقة حساب العدة ووقت انتهائها وما يترتب على ذلك من أحكام الرجعة.

واللفظ في العربية استُعمل للحيض والطهر، فكان على الصحابة ثم الفقهاء أن يبحثوا عن المراد من خلال لغة العرب، وسياق الآية،
وما ورد من السنة والآثار.

ومن هنا ظهرت أقوال مختلفة في تفسير القرء، ثم اشتهر في المذاهب اتجاهان:

فالحنفية والحنابلة يجعلون القرء هو الحيض، والمالكية والشافعية يجعلونه الطهر.
تأمل كيف يمكن لفظ واحد في نص واحد أن يفتح طريقين في الفقه.

لكن الأهم من معرفة القولين أن نعرف من أين بدأ الخلاف أصلًا.

لم يبدأ عند أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد.

بل كانت له جذور أقدم في اجتهاد الصحابة، ثم تلقاه من بعدهم التابعون، ثم جاء أئمة المذاهب فدرسوا ما وصل إليهم من أقوال وآثار وأدلة، وانتهوا إلى ما اقتضاه منهج كل إمام في الاستدلال.

وهكذا تتحول المسألة عبر التاريخ:

نص قرآني → اختلاف في فهم لفظه → اجتهاد عند الصحابة والتابعين → بناء فقهي في المذاهب.

وهنا تتغير نظرتنا إلى المذاهب.

فالمذهب لم ينشأ فجأة عند الإمام الذي حمل اسمه، وإنما جاء في كثير من مسائله ثمرة تراكم علمي بدأ قبل الإمام واستمر بعده.

قول الصحابي.. لا نقدسه ولا نهدره

إذا وجد الفقيه قولًا لصحابي، فله مكانته، لكنه ليس قرآنًا ولا سنة مرفوعة لمجرد أن قائله صحابي.

وفي الوقت نفسه، ليس رأيًا عابرًا يمكن تجاهله.

فالصحابي عاش عصر التنزيل، وشهد الوقائع، وسمع النبي ﷺ، وكان أعرف بملابسات عصره من كثير ممن جاء بعده.

ولهذا كان قول الصحابي دليلًا له وزنه في البحث الفقهي، مع بقاء باب النظر والاجتهاد مفتوحًا.
وإذا اختلف الصحابة أنفسهم، لم يعد السؤال:

من هو الصحابي الذي قال هذا؟

بل أصبح:
ما الذي قاله؟

وما مستنده؟

وهل ثبت عنه؟

وكيف ينسجم مع سائر النصوص والآثار؟

وهنا تظهر قاعدة مهمة:

تعظيم الصحابة لا يعني عصمة اجتهاداتهم، واحترام اختلافهم لا يعني أن كل قول منها سواء في قوة الدليل.

من اختلاف الصحابة إلى المذاهب
إذا تأملنا رحلة الفقه وجدناها رحلة تراكمية طويلة:

قرآن وسنة، ثم صحابة ينقلون ويجتهدون، ثم تابعون يتلقون عنهم، ثم مدارس علمية تتكون في الأمصار، ثم أئمة يدرسون هذا التراث ويضعون له مناهج أكثر انتظامًا.

لذلك حين نقرأ حكمًا في مذهب من المذاهب، لا يكفي أن نسأل:

لماذا قال الإمام هذا؟

بل قد يكون السؤال الأهم:
من أين بدأت المسألة أصلًا؟

قد تبدأ بحديث لم يبلغ الجميع، أو باختلاف في ثبوت رواية، أو باختلاف في فهم نص، أو باجتهاد اختلف فيه الصحابة.

ومن هنا يصبح تاريخ المذاهب تاريخ تراكم علمي طويل، لا مجرد تاريخ أربعة أئمة.

لكن ماذا لو لم يختلفوا؟

وهنا يتغير السؤال كله.
طوال ما سبق كنا أمام أكثر من قول.

نحاول أن نفهمها، ونبحث عن أدلتها، وننظر في وجوه الترجيح بينها.

لكن ماذا لو بحثنا في مسألة، فلم نجد خلافًا؟

ماذا لو قيل لنا:
أجمع العلماء على هذا الحكم؟

هنا لا يعود السؤال:
أي الأقوال أقوى؟

بل يصبح السؤال الأعمق:
هل كان هناك إجماع فعلًا؟

فقد يكون القول مشهورًا جدًا بين العلماء، ومع ذلك لا يكون إجماعًا.

وقد ينقل عالم عن أهل العلم اتفاقًا، ثم يظهر في كتب الفقه قول مخالف لم يكن ظاهرًا في عصره.

ولهذا فإن كلمة أجمعوا ليست كلمة سهلة في علم الفقه؛ لأنها تعني أكثر من مجرد الشهرة أو كثرة القائلين.

إنها تعني اتفاقًا له شروطه، وله أثره في الحكم الشرعي.
ومن هنا ينتقل الفقه من إدارة الاختلاف إلى البحث في الاتفاق.

وهذا انتقال مهم جدًا.
ففي الخلاف كان السؤال:
كيف نزن الأقوال المختلفة؟

أما في الإجماع، فقد أصبح السؤال:
هل كان هناك خلاف أصلًا؟

ثم يأتي السؤال الذي لا يقل أهمية:
هل كان الاتفاق شاملًا للمجتهدين الذين يعتد بأقوالهم؟

وكيف نثبت أن مخالفًا معتبرًا لم يوجد؟

وهنا لا يكفي أن نبحث عن قول مشهور، بل نحتاج إلى التثبت من أن الاتفاق قد وقع فعلًا.

وبذلك ننتقل من مرحلة إدارة الاختلاف إلى مرحلة إثبات الاتفاق.

ثم إذا ثبت لنا أن المجتهدين قد اتفقوا فعلًا، يبقى السؤال الأكبر:
لماذا يكون هذا الاتفاق حجة على من جاء بعدهم؟

وهنا نفتح بابًا جديدًا من أبواب أصول الفقه:

الإجماع.. متى يصبح الاتفاق حجة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى