كتبت الإعلامية ميرفت شوقي صالح
كان الليلُ طويلًا إلى الحدِّ الذي جعلَ الأبوابَ تتعلَّمُ الارتجاف وتُصغي الجدرانُ لوقعِ الخوفِ كما تُصغي المقابرُ لخطواتِ حفَّاريها.
لم يكن أحدٌ يعرفُ متى يتحوَّلُ الطَّرْقُ الخافتُ إلى عاصفة ولا متى يصبحُ الاسمُ الذي تحملهُ تهمةً تكفي لتختفي من المرايا كأنك لم تمرَّ يومًا من هنا.
في تلك الأزمنةِ التي كانتِ البنادقُ تقرأُ النصوصَ بدلَ العيون صارَ الصمتُ دينَ الناجين وصارتِ الأرواحُ تُخفي إيمانَها كما تُخفي المدنُ آخرَ مصابيحها ساعةَ الحصار.
كان المؤذِّنُ يرفعُ صوتهُ نحو السماءِ بينما الأرضُ في الأسفلِ تُعِدُّ له هاويةً صغيرةً باسمِ النظام.
السجونُ لم تكن جدرانًا…
كانت أفواهًا حجريةً تبتلعُ البشرَ ببطء ثم تُعيدهم كائناتٍ لا تتذكَّرُ ملامحها.
وكانتِ الأملاكُ تُنزَعُ من أصحابها كما تُنزَعُ الظلالُ من تحتِ الأجساد حتى صار الإنسانُ يسيرُ خفيفًا من شدَّةِ ما فَقَد كأنَّ الخرابَ تعلَّمَ كيف يسرقُ الأشياءَ دون أن يُحدِثَ صوتًا.
ثمةَ أفكارٌ حينَ تجوعُ إلى السلطةِ تأكلُ أبناءها أولًا ثم تُعلِّقُ على الخرائبِ لافتةً كتبَ عليهاهذا هو الخلاص.
لكنَّ الخرائبَ لا تكذب والرائحةُ التي تخرجُ من الذاكرةِ تشبهُ دائمًا رائحةَ الحديدِ حين يصدأُ داخلَ الدم.
وكان الناسُ يركضون نحو الوحدةِ كما يركضُ الغريقُ نحو لوحٍ مكسور لا لأنَّه نجاةٌ كاملة بل لأنَّ البحرَ خلفه كان أكثرَ ظلمةً من احتماله.
فبعضُ الأوطانِ لا ينجوها العدلُ وحده بل ينجوها أحيانًا تأجيلُ المذبحة.
وها هو التاريخُ الآن يقفُ عند مفترقِ الطرق كشيخٍ أعمى يتحسَّسُ وجوهَ العابرين ويسألهم بصوتٍ مُتعب
كيف استطاعَ القتلةُ أن يبدِّلوا أقنعتهم بهذه السرعة؟
وكيف أقنعوا الضحايا أنَّ السكينَ كانت مجرد
ثمةَ أفكارٌ حينَ تجوعُ إلى السلطةِ تأكلُ أبناءها أولًا ثم تُعلِّقُ على الخرائبِ لافتةً كتبَ عليها هذا هو الخلاص

