مقال

شهرة القول وحجية الإجماع

سلسلة: المذاهب الفقهية.. لماذا اختلفوا وكيف نختلف؟

بقلم: د. كامل عبد القوى النحاس

المقال السابع عشر

تنويه منهجي:

هذا مقال صحفي علمي تثقيفي، وليس بحثًا أكاديميًا أو دراسة أصولية استقصائية؛ نعرض فيه ما يخدم الفكرة، ونترك التفاصيل والتفريعات لكتب الفقه وأصوله.

في المقال السابق رأينا كيف تعددت أقوال الصحابة، وكيف انتقلت اجتهاداتهم إلى التابعين، ثم إلى المدارس والمذاهب.

لكن ماذا لو بحثنا في مسألة، فلم نجد فيها خلافًا؟

هل يكفي أن نقول:

إذن أجمع العلماء؟

هنا تبدأ الدقة.

فقد يشتهر قول بين الفقهاء، وقد تتفق عليه المذاهب، وقد لا نعرف مخالفًا له، ومع ذلك لا يكون هذا وحده كافيًا لإثبات الإجماع بالمعنى الأصولي.

ومن هنا نصل إلى سؤال مهم:

متى يتحول الاتفاق الفقهي إلى إجماع؟

ما الإجماع؟

الإجماع في اصطلاح الأصوليين هو:

اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ، بعد وفاته، في عصر من العصور، على حكم شرعي.

وهذا التعريف ليس مجرد صياغة اصطلاحية؛ فكل قيد فيه له أثر.

فالمقصود بالمجتهدين أهل الاجتهاد، لا عامة الناس.

والمقصود بعد وفاة النبي ﷺ؛ لأن المرجع في حياته ﷺ هو الوحي.

والمقصود في عصر من العصور أن يكون الاتفاق صادرًا عن مجتهدي ذلك العصر.

ولهذا فإن اتفاق عدد من العلماء، أو اتفاق بعض المدارس الفقهية، له قيمته العلمية، لكنه لا يكفي وحده لإطلاق دعوى الإجماع.

هل اتفاق المذاهب الأربعة إجماع؟

قد نجد الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة متفقين على حكم معين، وهذا اتفاق فقهي واسع له دلالته وقيمته.

لكن لا يصح أن نقول بمجرد ذلك: أجمع العلماء.

فالإجماع لا يتعلق بعدد المذاهب التي وصلت إلينا كتبها، وإنما باتفاق المجتهدين الذين يشملهم عصر المسألة.

وقد تكون هناك أقوال لعلماء من مدارس أخرى، أو لمجتهدين لم تستمر مذاهبهم، أو خلاف لم يصل إلينا بصورة واضحة.

ولهذا ينبغي أن نفرق بين اتفاق المذاهب والإجماع الأصولي.

فالأول مهم في دراسة تاريخ المسألة واستقرار القول، أما الثاني فله شروط أوسع تتعلق بمن شارك في الاجتهاد، وبثبوت اتفاقهم.

الجدة وميراث السدس.. من ثبوت الحكم إلى دعوى الإجماع

توضح لنا قصة ميراث الجدة هذا الفرق بصورة عملية.

جاءت جدة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه تسأله عن ميراثها، فقال إنه لا يجد لها في كتاب الله شيئًا، ولا يعلم في سنة رسول الله ﷺ ما يثبت لها نصيبًا.

ثم شهد المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي ﷺ أعطاها السدس، فطلب أبو بكر شاهدًا آخر، فشهد محمد بن مسلمة رضي الله عنه بذلك، فقضى لها أبو بكر بالسدس.

وروي أن عمر رضي الله عنه قضى بذلك من بعده.

رواه أبو داود والترمذي.

تأملوا هنا طريقة الوصول إلى الحكم:

رواية → تثبت → حكم → استمرار عمل.

لكن هل تكفي هذه الخطوات لنقول: أجمع الصحابة على الحكم؟

ليس بالضرورة.

فإثبات الحكم شيء، وإثبات اتفاق جميع المجتهدين عليه شيء آخر.

ولكي ننتقل من الأول إلى الثاني، نحتاج أن نعرف:

هل بلغ الحكم جميع مجتهدي العصر؟

وهل عرفنا مواقفهم؟

وهل وُجد مخالف معتبر ثم لم يصلنا قوله؟

إذن فالقصة لا تثبت لنا الإجماع بمجردها، وإنما تكشف لنا لماذا لا تكفي شهرة الحكم أو استمرار العمل به لإثباته.

وهذه هي الصلة الأساسية بين المثال وموضوعنا:

ثبوت الحكم لا يساوي ثبوت الإجماع عليه.

لا أعلم فيه خلافًا
ليست حكما أجمع العلماء عليه

هذه من أهم العبارات التي ينبغي الانتباه إليها عند قراءة كتب الفقه.

قد يقول العالم:

لا أعلم فيه خلافًا

أو:

لم أجد فيه مخالفًا.

وهذه العبارات تصف حدود ما وصل إليه العالم من علم وبحث، ولا تعني بالضرورة أنه أحاط بأقوال جميع المجتهدين في كل عصر.

أما قول:

أجمع العلماء عليه

فهو أوسع دلالة؛ لأنه ينسب الاتفاق إلى أهل الاجتهاد على وجه الشمول.

ولهذا فالفارق بين هذه العبارات ليس مجرد اختلاف في الأسلوب، وإنما اختلاف في حجم الدعوى العلمية التي تحملها كل عبارة.

وماذا عن الإجماع السكوتي؟

قد يقول مجتهد قولًا في مسألة، ويبلغ قوله مجتهدين آخرين، ثم لا نسمع منهم اعتراضًا.

فهل يعني سكوتهم أنهم وافقوا؟

اختلف الأصوليون في حجية الإجماع السكوتي وشروط اعتباره.

فالسكوت قد يكون موافقة، وقد يكون بسبب عدم العلم بالقول، أو التوقف، أو وجود مانع من إظهار الرأي.

ولهذا لا يصح أن نحول كل سكوت إلى إجماع، بل لا بد من النظر: هل بلغ القول بقية المجتهدين؟ وهل أتيح لهم النظر فيه؟ وهل كان هناك ما يمنع من إظهار المخالفة؟

فغياب الاعتراض في المصادر التي بين أيدينا لا يكفي وحده لإثبات الإجماع.

بين المذاهب والإجماع

في المقال السابق رأينا كيف أدى اختلاف الصحابة إلى تعدد الاجتهادات، ثم إلى نشوء المدارس والمذاهب.

أما هنا فنحن أمام السؤال المقابل:

إذا لم يظهر الخلاف، فهل ثبت الإجماع؟

وهنا تأتي أهمية المذاهب؛ فهي تحفظ لنا جانبًا واسعًا من خريطة الاتفاق والاختلاف الفقهي، لكنها لا تجعل كل اتفاق بينها إجماعًا أصوليًا.

فقد يكون القول مشهورًا، وقد تتفق عليه المذاهب الأربعة، وقد يقول عالم: «لا أعلم فيه خلافًا»، ومع ذلك تبقى دعوى الإجماع بحاجة إلى تحقق.

لماذا نحتاج إلى هذا التفريق؟

لأن بين العبارات:

هذا قول الجمهور

واتفق عليه أصحاب المذاهب الأربعة،

ولا نعلم فيه خلافًا،

وأجمع العلماء عليه

فروقًا علمية لا يجوز إغفالها.

فالأولى تصف كثرة القائلين، والثانية تصف اتفاق مدارس فقهية معينة، والثالثة تصف حدود ما عرفه العالم من خلاف، أما الرابعة فتحمل دعوى أصولية أوسع.

ولهذا فإن الدقة في نقل أقوال العلماء ليست ترفًا؛ لأن اللفظ الذي نصف به المسألة يحدد مقدار ما ننسبه إلى التراث من اتفاق.

من الاتفاق إلى الإجماع

وهكذا يتضح أن الطريق من اشتهار القول إلى ثبوت الإجماع ليس خطوة واحدة.

فقد نرى حكمًا مستقرًا، أو نجد المذاهب متفقة عليه، أو لا نعثر على مخالف له، لكن يبقى السؤال الحاسم:

هل ثبت أن مجتهدي العصر قد اتفقوا عليه فعلًا؟

وهنا تنتقل المسألة من مجرد قراءة الأقوال إلى التحقق من دعوى الإجماع.

فإذا كانت كلمة أجمعوا : دعوى تحتاج إلى دليل، فإن السؤال الطبيعي بعد ذلك هو:

من أين نعرف أن هذا الإجماع قد وقع؟

وكيف نتحقق من صحة ما نُقل إلينا عنه؟

وهذا هو الباب الذي نفتحه في المقال القادم:

كيف نثبت الإجماع؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى