أخبار منوعة

أمريكا بين التهديد والتراجع

بقلم: د. ناصر السلاموني

تشهد المنطقة الآن واحدة من أكثر مراحلها حساسية، بعدما تعثرت المفاوضات الأمريكية الإيرانية في سويسرا وسط أجواء مشحونة بالتهديدات والتصعيد السياسي. فبدلًا من أن تمهّد المفاوضات الطريق نحو التهدئة، تحولت ـ نتيجة تهديدات ترامب المستفزة ـ إلى ساحة مواجهة دبلوماسية انتهت بمغادرة الوفد الإيراني قاعة المحادثات احتجاجًا على هذه التصريحات، التي اعتبرتها طهران تجاوزًا لأصول التفاوض ومحاولة لفرض الإملاءات بالقوة.

وقد جاء هذا التطور في وقت تتحدث فيه تقارير وتحليلات غربية عن أن سر استعجال واشنطن للتوصل إلى اتفاق مع إيران لا يرتبط بالملف النووي فقط، بل بمخاوف أوسع تتعلق بإمكانية اندلاع مواجهة إقليمية جديدة تهدد أمن الطاقة العالمي واستقرار الاقتصاد الدولي. فالتصعيد في الخليج، واحتمالات تعطل الملاحة في مضيق هرمز، وتوسع دائرة المواجهة إلى لبنان أو مناطق أخرى، كلها عوامل دفعت الولايات المتحدة إلى البحث عن مخرج سياسي يجنب المنطقة انفجارًا يصعب احتواؤه.

وفي المقابل، حاولت إيران توجيه رسالة مفادها أنها لن تتعامل مع لغة التهديد من موقع الضعف، وأن أي تفاوض يجب أن يقوم على الندية والاحترام المتبادل. وبناءً على ذلك، جاءت مغادرة الوفد الإيراني للمفاوضات لتؤكد للجميع تمسك طهران بهذا الموقف، خاصة مع تصاعد الجدل حول ملفات إقليمية معقدة تتجاوز الملف النووي لتشمل لبنان، وأمن الملاحة، والنفوذ الإقليمي، ومستقبل التوازنات في الشرق الأوسط.

وتزداد الصورة تعقيدًا مع استمرار التوتر على الجبهة اللبنانية، حيث تطرح إسرائيل شروطًا أمنية تعتبرها ضرورية لضمان أمنها، بينما ترى أطراف أخرى أن تلك الشروط يصعب تنفيذها عمليًا، وهو ما يجعل الملف اللبناني عنصرًا إضافيًا في تعقيد المفاوضات الأمريكية الإيرانية. وفي الوقت نفسه، تتشابك المصالح الدولية في المنطقة، حيث تراقب روسيا والصين التطورات عن كثب، انطلاقًا من ارتباطهما المباشر بأمن الطاقة وحركة التجارة الدولية.

ولقد رأينا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، اعتماد الولايات المتحدة على مزيج من القوة العسكرية والنفوذ الاقتصادي لإدارة مصالحها العالمية. وفي سبيل ذلك خاضت عشرات الحروب والتدخلات العسكرية التي خلفت ملايين الضحايا وخسائر اقتصادية هائلة. وقد أثبتت التجارب التي خاضتها أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي دائمًا لفرض الإرادة السياسية أو تحقيق الأهداف الاستراتيجية، وأن التفاوض غالبًا ما يصبح الخيار الوحيد عندما ترتفع كلفة الصراع على جميع الأطراف.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الأزمة الحالية ليست مجرد خلاف حول تخصيب اليورانيوم أو العقوبات الاقتصادية، بل تعبيرًا عن تحولات أعمق في موازين القوى الإقليمية والدولية. فالعالم يشهد مرحلة انتقالية تتراجع فيها فعالية سياسة الضغوط المطلقة، بينما تزداد أهمية التفاهمات والحلول السياسية مهما بلغت حدة الخلافات.

ويبقى السؤال مطروحًا: هل تمثل الأزمة الراهنة بداية مرحلة جديدة من التهدئة وإعادة ترتيب التوازنات، أم أنها مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة أخرى من التصعيد؟

لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تتراجع عندما تضعف فقط، بل عندما تفرط في استخدام قوتها وتعتقد أن نفوذها دائم لا يزول. وكلما اتسعت دائرة الصراعات وتعاظمت سياسات الهيمنة، اقتربت لحظة المراجعة والتراجع. فسنن التاريخ لا تحابي أحدًا، وكل قوة بلغت ذروة نفوذها دون عدل أو توازن، كانت بذور أفولها كامنة في ذروة قوتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى