أولادنا للبيع

كتبت / ماجدة حسن الصباغ
حين تتحول براءة الطفولة إلى عملة رقمية، وتُعرض تفاصيل البيوت في سوق “اللايكات” والمشاهدات، تُذبح الإنسانية على عتبات الشهرة الزائفة، وتُختبر مسؤولية الآباء تحت مقصلة التريند الشرسة. ففي زمنٍ مضى، كانت البيوت أسرارًا مغلقة، وكانت الطفولة واحةً آمنةً تُحاط بالرعاية والخصوصية الشديدة والخوف الفطري من عيون الغرباء. أما اليوم، وفي ظل الانفتاح التكنولوجي المتسارع، فقد تخلّت بعض العائلات عن دور الحارس والمربي، لتتحول غرف الأطفال وصغارهم إلى استوديوهات بث مفتوحة ليلًا ونهارًا على منصات التواصل الاجتماعي، ولم يعد الطفل يلهو بلعبته أو يستمتع ببرامجه العفوية، بل أصبح هو نفسه “السلعة” الأساسية التي تُعرض في سوق المشاهدات لجلب الأرباح والدولارات.
إن ما نشهده اليوم من استغلال لبعض الأطفال على منصات التواصل الاجتماعي يتجاوز تماماً فكرة “التوثيق العائلي العفوي”، ليصل في كثير من الأحيان إلى صورة صارخة من صور الاستغلال التجاري لبراءة الصغار. فهناك أطفال لم يدركوا بعد معنى الحياة، يتم توجيههم بانتظام لتمثيل مشاهد تفوق أعمارهم، أو افتعال مشاحنات عائلية وبكاء مصطنع، أو الظهور في بث مباشر يمتد لساعات طويلة لاستجداء تفاعل الجمهور ومشاركاتهم. وفي هذه اللحظة العابثة، يتحول الأب أو الأم من مرتبة السند والقدوة الواعية إلى دور المخرج والمستثمر، الذي قد يقايض سلامة طفله النفسية مقابل حفنة من التفاعل الرقمي والأرباح المؤقتة،
وهنا يبرز السؤال الأخطر الذي يفرض نفسه: متى ينتهي حق الأسرة في مشاركة لحظاتها الخاصة، ويبدأ حق الطفل الأصيل في الخصوصية والحماية؟إن السعي وراء حماية الطفل، وجعله يعيش طفولته الطبيعية بعيدًا عن أعين الغرباء وعدسات الهواتف، هو طوق النجاة الحقيقي لحماية الأجيال القادمة. ولذلك، يجب علينا جميعاً أن نتحرك لنوقف هذه التجارة الخاسرة، ولنُعِد إلى أولادنا طفولتهم المسلوبة، ونمنحهم حقهم الطبيعي في أن يكبروا بعيدًا عن ضغوط الكاميرا المستمرة، وأحكام الجمهور المتقلبة، وتغيرات التريند اليومية. وفي النهاية، يبقى هذا السؤال الجوهري يطرق أبواب كل بيت: هل تقبلون أن تدفعوا من براءة أطفالكم وكرامتهم ثمنًا لشهرة زائلة وأموال قد لا تدوم؟ وأين ترون الخط الفاصل بين توثيق اللحظات العائلية العفوية، وبين تحويل الطفولة إلى محتوى استثماري يُباع من أجل المشاهدات؟فالأطفال لا يملكون اليوم الوعي أو القدرة على اختيار ما يُنشر عنهم في الفضاء الرقمي، لكنهم حتماً غدًا سيكبرون، وقد يعودون ليسألوا آباءهم بمرارة: لماذا بعتم طفولتي أمام العالم؟ وحينها، لن تكون المشكلة في عدد المشاهدات الفلكية التي حصدها الفيديو،
بل في الأثر النفسي العميق الذي تركه في قلب طفل كان يستحق أن نحميه ونرعاه، لا أن نعرضه للبيع في مزاد “اللايكات”. فأولادنا أمانة يسألنا الله عنها وليسوا سلعة تجارية، وبراءتهم ليست ثمناً للشهرة الزائفة، طاعةً لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، فلتكن هذه الآية منهجاً لنا لحفظ أبنائنا كما أمرنا الله، ولنترك لهم حقهم في طفولة آمنة، وخصوصية مصونة، وقلوب لا تعرف أن قيمتها تُقاس بعدد الإعجابات؛ فأولادنا ليسوا للبيع، وبراءتهم ليست سلعة.



