سواعد السخرة المعاصرة: كيف يُفرَّغ مفهوم الوطنية من مضمونه؟

بقلم: شريف السبع
لا شيء يُفرغ مفهوم “الوطنية” من قيمته الأخلاقية والاجتماعية مثل تحويله إلى مظلة لتبرير الاستغلال، وأداة لشرعنة سلب الحقوق. في الخطاب السائد، تُرفع شعارات “ضرورة البناء” و”التضحية من أجل الوطن” كأنها فرض عين على الطبقة العاملة وحدها، بينما يُطلب من صاحب الساعد أن ينتج، ويسهر، ويتحمل ضغوط الحياة والمعيشة، شريطة أن يظل صامتاً لا يسأل عن قانون يُنفَّذ، ولا عن بيئة عمل تصون كرامته وآدميته.
إن المعادلة التي تُسوق اليوم تحت دعاوى “بناء الوطن بأي ثمن” هي معادلة اختزالية مكسورة؛ فالوطن ليس مجرد أحجار تُشيّد أو خطوط إنتاج تُدار، بل هو المؤسسات والقوانين التي تحمي الإنسان الذي يبني هذه الأحجار ويشغل تلك الآلات. وعندما تُسحب الحماية القانونية من تحت أقدام العمال، فإننا لا نكون بصدد معركة بناء، بل بصدد إعادة إنتاج لنموذج “السخرة المعاصرة” ولكن بمسميات حديثة ومغلفة بدعاوى واجب السعي والتحمل.
تبدأ الأزمة عندما تتحول النصوص القانونية والتشريعات العمالية إلى مجرد ديكور إداري تُزين به التقارير، بينما يكشف الواقع الميداني داخل المصانع ومواقع العمل عن فجوة هيكلية عميقة؛ حيث تُفرض ساعات العمل الممتدة التي تتجاوز الطاقات البشرية، وتتوارى الرقابة والتفتيش الميداني لتفسح المجال أمام إدارات تتعامل مع العنصر البشري كبند مستهلك قابليته للتغيير والاستبدال أسرع من قطع غيار الآلات. وفي هذا المناخ، يُصبح الالتفاف على المستحقات التأمينية، والأجور العادلة، واشتراطات السلامة والصحة المهنية أمراً واقعاً يُفرض تحت اسم “تسيير العجلة” و”مراعاة الظروف”.
علاوة على ذلك، أدى التوسع المحموم في أنماط العمالة الهشة، والتوسع في عقود التعهيد والوساطة في قطاعات الخدمات والأمن والصيانة، إلى تفكيك الأمان الوظيفي للعمال وتجريدهم من أي قدرة على التفاوض أو المطالبة بالحد الأدنى من حقوقهم. لقد أُعيد تعريب مفهوم “السخرة” ليصبح نظاماً إدارياً مُقنناً يُجرّد العامل من استقراره النفسي والمادي، ثم يُطالب بعد ذلك كله بأن يُظهر أعلى درجات الحماس والانتماء الوطني!
إن البناء الحقيقي لا يُقام بسواعد مكسورة، ولا باستنزاف صحة العمال وكرامتهم. فالإنسان المحروم من الحماية والمجرد من حقوقه الأساسية لا يمكن أن يُطلب منه تقديم إنتاجية مستدامة، لأن العطاء الإنساني يرتبط طردياً بالشعور بالأمان والعدالة. وحين يشعر العامل أن القانون يقف عاجزاً أو محايداً أمام التغول على حقوقه، فإن مفهوم “المواطنة” نفسه ينهمش ليتحول في ذهنه من رابطة حقوق وواجبات متكافئة إلى مجرد التزام أحادي الطرف.
إن حماية العمال، وإنفاذ القانون بصرامة وحزم دون محاباة، وتوفير بيئة عمل عادلة وآمنة ليست مطالب فئوية أو رفاهية تشريعية، بل هي الركن الأساسي لأي مشروع وطني جاد. فالوطنية الحقيقية لا تتجلى في المزايدة بالشعارات على المنهكين أمام الآلات، بل في قدرة الدولة ومؤسساتها على حماية هؤلاء المنهكين، وضمان ألا تُسلب كرامتهم باسم الوطن، لأن الوطن الذي لا يحمي سواعد بناته وبنيه، يفقد أول شروط بقائه وقوته.



