من التشريع إلى صناعة السلام.. الدور الدولي المتغير للبرلمانات

بقلم: هالة المغاوري فيينا
لم تعد وظيفة البرلمانات في عالم اليوم محصورة في سنّ القوانين ومراقبة أداء الحكومات، فمع تعقّد الأزمات الدولية وتداخل آثارها مع الحياة اليومية للمجتمعات، أصبح للمؤسسات التشريعية دور أوسع في حماية الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وتعزيز ثقافة الحوار، ووضع الأطر القانونية التي تساعد على مواجهة أسباب التوتر قبل أن تتحول إلى أزمات مفتوحة.
فالسلام لا يبدأ دائمًا من طاولة المفاوضات بين الدول، وإنما قد يبدأ في قاعة البرلمان، عندما تتحول الخلافات السياسية إلى نقاش مؤسسي تحكمه القواعد، وتصبح التعددية وسيلة لإدارة الاختلاف بدلًا من أن يتحول الاختلاف إلى انقسام أو صدام. ومن هذه الزاوية، يصبح التشريع أحد الأدوات التي يمكن أن تساهم في بناء بيئة أكثر قدرة على احتواء التوترات.
وتتزايد أهمية هذا الدور في المجتمعات التي تواجه استقطابًا سياسيًا أو اجتماعيًا حادًا. فوجود مؤسسات تشريعية قادرة على استيعاب الآراء المتباينة، وإتاحة المجال للنقاش، وممارسة الرقابة، يمكن أن يوفر مسارًا مؤسسيًا للتعبير عن المصالح المختلفة بدل دفعها إلى خارج الأطر السياسية.
كما أن مسؤولية البرلمانات تمتد إلى التعامل مع القوانين والسياسات التي يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الأمن والاستقرار. فالتشريعات المتعلقة بالتعليم والعدالة الاجتماعية والاندماج وحقوق الإنسان ومكافحة التمييز والحريات العامة ليست ملفات منفصلة عن قضية السلام، لأنها ترتبط بدرجة التماسك داخل المجتمع وقدرته على التعامل مع الاختلافات بصورة سلمية.
ومن القضايا التي أصبحت حاضرة كذلك مواجهة التطرف السياسي وخطابات الكراهية والتحريض. ولا يرتبط التعامل معها فقط بالإجراءات الأمنية، وإنما يحتاج أيضًا إلى مقاربة تشريعية ومجتمعية توازن بين حماية المجتمع والحفاظ على الحقوق والحريات الأساسية. وهنا تظهر أهمية الرقابة البرلمانية في متابعة مدى تناسب السياسات المتخذة مع أهدافها، ومدى احترامها للأطر القانونية.
ولا يعني تعزيز دور البرلمان في حماية الاستقرار أن تتحول المؤسسة التشريعية إلى جهة تنفيذية، بل إن قوتها الأساسية تكمن في طبيعتها الرقابية والتشريعية وفي قدرتها على مساءلة السياسات العامة. فوجود رقابة فعالة يمكن أن يساهم في كشف أوجه القصور، وطرح البدائل، وإجبار المؤسسات العامة على تقديم تفسيرات واضحة للقرارات التي تمس المجتمع.
وتكتسب التعددية السياسية في هذا السياق قيمة تتجاوز المنافسة الانتخابية. فالبرلمان الذي يضم اتجاهات سياسية واجتماعية متعددة يعكس بدرجات مختلفة تنوع المجتمع نفسه، ويتيح اختبار الأفكار والسياسات عبر النقاش العام. وكلما كان الاختلاف داخل المؤسسات قادرًا على البقاء ضمن قواعد الحوار، ازدادت إمكانية تحويل التباين السياسي إلى عملية ديمقراطية بدل أن يتحول إلى مصدر دائم للتوتر.
كذلك يمكن للبرلمانات أن تؤدي دورًا مهمًا في بناء جسور التواصل بين المؤسسات والمجتمع المدني والباحثين والشباب، خصوصًا في القضايا التي تحتاج إلى فهم أوسع من حدود النقاش السياسي التقليدي. فالسياسات المرتبطة بالسلام والأمن والتنمية لا يمكن فصلها عن الواقع الاجتماعي، والاستماع إلى الخبرات المختلفة يساعد على جعل التشريع أكثر ارتباطًا بالتحديات الفعلية التي تواجه المواطنين.
ويظهر البعد الدولي لهذا الدور أيضًا من خلال التعاون بين البرلمانات وتبادل الخبرات التشريعية، إذ تستطيع المؤسسات التشريعية الاطلاع على تجارب دول أخرى في إدارة الأزمات، وحماية التعددية، ومكافحة خطاب الكراهية، وتعزيز المشاركة السياسية. غير أن الاستفادة من هذه التجارب لا تعني نسخها بصورة آلية، لأن نجاح أي نموذج تشريعي يرتبط بالسياق السياسي والقانوني والاجتماعي للدولة التي تطبقه.
وفي النهاية، فإن صناعة السلام ليست مسؤولية الحكومات والأجهزة الدبلوماسية وحدها. فالبرلمان يستطيع أن يساهم في بناء الأسس الداخلية التي تجعل السلام أكثر استدامة، من خلال تشريعات تحمي الحقوق، ومؤسسات تسمح بإدارة الاختلاف، ورقابة تضمن المساءلة، وحوار سياسي يمنع الخلافات من التحول إلى صراعات تهدد تماسك المجتمع.
ومن هنا يمكن النظر إلى التحول في دور البرلمانات باعتباره انتقالًا من مفهوم ضيق للتشريع إلى مفهوم أوسع يقوم على بناء المؤسسات القادرة على إدارة الاختلاف. فالقانون لا يصنع السلام بمفرده، لكنه يستطيع أن يضع القواعد التي تجعل الحوار ممكنًا، وتحمي التعددية، وتحد من الإقصاء، وتمنح المجتمع أدوات مؤسسية لمعالجة الخلافات قبل أن تتجاوز حدود السياسة إلى العنف والصدام.
الشبكه الاخباريه



