الغُرْبَة

بقلم الأديب د. محمود طه
الغُربةُ من أصعبِ الأشياءِ على الرُّوح؛ فهي ليست بُعدًا عن الوطنِ فحسب، بل غيابٌ عن الأهلِ والأصدقاءِ والأحبَّة، وشعورٌ دائمٌ بالاشتياقِ إليهم، ولا سيَّما في المواسمِ والأعياد.
قد يغتربُ الشَّخصُ بحثًا عن فرصةِ عملٍ، أو سعيًا إلى تحسينِ مستوى المعيشة. وقد يُجبرُ على الغربةِ بسببِ الحروبِ الداخليةِ أو الظروفِ القهريةِ التي تدفعه إلى تركِ وطنِه.
وللغربةِ منافعُ كثيرةٌ، منها تعزيزُ الثقةِ بالنفس؛ إذ يكتسبُ الإنسانُ مهاراتٍ وقدراتٍ وخبراتٍ جديدةً نتيجةَ اعتماده على نفسه، وسعيِه الدؤوبِ إلى تحقيقِ أهدافِه.
لكنَّ للغربةِ عيوبًا أيضًا، من أبرزِها البُعدُ عن الوطن، والاشتياقُ إليه، والابتعادُ عن الأهلِ والأحبَّة، وما يصاحبُ ذلك من حنينٍ دائمٍ وألمٍ نفسي.
وهناك نوعٌ من الغربةِ يُعدُّ من أصعبِ أنواعِها، وهو غربةُ الرُّوح. وهي أن يشعرَ الإنسانُ بأنَّ روحَه قد فارقت الحياةَ، وهو لا يزالُ حيًّا، أو أن يشعرَ بالاغترابِ وهو في وسطِ أسرتِه ولمَّتِها، فيُحِسُّ بالوحدةِ رغم وجودِ الجميعِ من حولِه.
وقد تكونُ غربةُ الرُّوحِ نتيجةَ الخذلانِ من البشر، أو العيشِ في بيئةٍ غيرِ صالحةٍ يسودُها الظلمُ والكراهية، أو بسببِ فقدانِ شخصٍ عزيزٍ وغالٍ. غيرَ أنَّ أعظمَ أسبابِ هذا الشعورِ هو البُعدُ عن كتابِ اللهِ وسُنَّةِ نبيِّه العدنان ﷺ؛ فحينئذٍ يشعرُ الإنسانُ بالضعفِ والوحدة، وتثقلُه الضغوطُ النفسيةُ والاجتماعيةُ والاقتصاديةُ والثقافيةُ وغيرها، مما يؤثرُ سلبًا في تكوينِ شخصيتِه، وقد يُدمِّرُها من الداخل.
ولذلك وجبَ الإصلاحُ الداخليُّ؛ فهو البدايةُ الحقيقيةُ لكلِّ إصلاح. ولن يتحققَ إلا بالعودةِ إلى الأصول، وأصلُها المنهاجُ القويمُ المرتكزُ على القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ النبويةِ. ففيهما الخيرُ والصلاح، وبهما تطمئنُّ القلوب، وتستقيمُ النفوس، ويزولُ شعورُ غربةِ الرُّوح، مهما اشتدَّت قسوةُ الحياة.



