مقال

اثر بعيد


بقلم/نشأت البسيوني

في حياة الانسان اشياء كثيرة تنتهي في لحظتها لكنها لا تنتهي داخله فقد يمر موقف قصير ولا يأخذ من وقته سوى دقائق قليلة ثم يمضي اليوم وتستمر الحياة بشكل طبيعي لكن ذلك الموقف يترك وراءه اثرا يظل موجودا في الذاكرة وربما لا يعرف الانسان قيمته الا بعد سنوات عندما يكتشف ان شيئا صغيرا حدث قديما كان سببا في تغيير جزء كبير من شخصيته

قد تكون كلمة قيلت له في وقت كان يحتاج فيها الى من يفهمه وقد تكون نظرة شعر منها انه غير مرغوب فيه وقد تكون لحظة نجاح جعلته يصدق نفسه للمرة الاولى وقد تكون خسارة جعلته يعيد حساباته وقد يكون انسان مر في حياته لفترة قصيرة لكنه ترك فيه معنى ظل معه سنوات طويلة

فالانسان لا يتشكل فقط من الاحداث الكبيرة بل يتشكل ايضا من التفاصيل التي لا يلتفت اليها احد

طفولة عاش فيها شعورا معينا

موقف جعله اكثر حذرا

كلمة جعلته اكثر ثقة

تجربة جعلته لا يمنح قلبه بسهولة

لحظة جعلته يؤمن بأنه يستطيع

وذكرى جعلته يعرف قيمة من يقف بجانبه

كل هذه الاشياء تتحول مع الوقت الى جزء من شخصيته

وقد يعيش الانسان سنوات وهو لا يعرف لماذا يتصرف بطريقة معينة ولماذا يخاف من شيء معين ولماذا يتعلق بشيء معين ثم تأتي لحظة يفهم فيها ان وراء ذلك كله اثرا قديما تركته تجربة لم يمنحها حقها من التفكير

وهنا يبدأ الانسان في فهم نفسه بطريقة مختلفة فلا يعود يلوم نفسه على كل رد فعل ولا يعتبر كل خوف ضعفا ولا يرى كل حذر قسوة بل يحاول ان يعرف من اين جاء هذا الشعور وماذا يريد ان يخبره

فالانسان يحمل داخله تاريخا لا يراه الناس

قد يبتسم وهو يحمل ذكرى تؤلمه

وقد يبدو قويا وهو يتذكر موقفا جعله يشعر بالعجز

وقد يكون شديد الحذر لأن تجربة واحدة جعلته يفقد ثقته

وقد يكون شديد العطاء لأنه يعرف معنى ان يحتاج الانسان الى كلمة طيبة ولا يجدها

ولهذا لا يمكننا دائما ان نحكم على الناس من تصرف واحد لأن وراء التصرف احيانا حكاية طويلة لا نعرف عنها شيئا

ومع مرور السنوات يتعلم الانسان ان بعض الآثار لا تحتاج الى ان تمحى حتى يستطيع العيش معها فقد تبقى بعض الذكريات لكنه يتعلم كيف يضعها في مكانها الصحيح

يتذكر دون ان يعود

يحزن دون ان ينهار

يشتاق دون ان يطرق الباب

يسامح دون ان يعيد الخطأ الى حياته

ويحب الماضي دون ان يعيش فيه

وهذه مرحلة من النضج لا يصل اليها الانسان بسهولة لأنه في البداية يريد ان ينسى كل شيء يؤلمه لكنه يكتشف بعد وقت ان النسيان الكامل ليس ضروريا دائما وان المهم هو ان تفقد الذكرى قدرتها على التحكم في الحاضر

وقد يكون اجمل اثر يتركه انسان في انسان اخر هو كلمة طيبة قيلت في وقت صعب فقد لا يعرف صاحبها كم كانت مهمة وقد يظن انها كلمة عابرة لكن الطرف الآخر قد يحملها سنوات طويلة ويستعيدها في لحظات ضعفه وكأنها يد تمتد اليه من الماضي

ولهذا لا يجب ان نقلل من قيمة الكلمات فالكلمة قد تبني انسانا وقد تكسره وقد تمنحه املا وقد تجعله يشك في نفسه وقد تغير قرارا كان سيأخذه وقد تعيد اليه الرغبة في الاستمرار

والانسان الذي يعرف قيمة الكلمة يصبح اكثر حرصا في حديثه لأنه يفهم ان ما يراه لحظة عابرة قد يكون بالنسبة لشخص اخر ذكرى طويلة

وفي المقابل قد يترك الانسان اثرا سيئا دون ان يقصد فقد يرحل عن حياة شخص بعد موقف لم ينتبه اليه ثم يكتشف ذلك الشخص بعد سنوات انه ما زال يتذكره ولهذا يصبح الاعتذار احيانا ضروريا حتى لو مر وقت طويل لأن بعض الجروح لا تحتاج الى الكثير حتى تهدأ بل تحتاج فقط الى اعتراف صادق بأن ما حدث كان مؤلما

ومع ذلك لا يستطيع الانسان اصلاح الماضي كله ولا يستطيع العودة الى كل موقف حتى يغيره لذلك عليه ان يتعلم من الاثر الذي تركه وان يستخدمه في صناعة شخص افضل

اذا عرف معنى الوجع فلا يجعل غيره يتألم بلا سبب

اذا عرف معنى الخذلان فلا يخون من يثق به

اذا عرف معنى الوحدة فلا يستهين بمن يحتاج الى وجوده

اذا عرف معنى الخوف فلا يسخر من خوف الآخرين

اذا عرف معنى الفقد فلا يؤجل التعبير عن محبته

وهكذا تتحول التجربة من جرح الى مسؤولية

ومن ذكرى الى حكمة

ومن ألم الى رحمة

ومن الماضي الى شيء يساعد الانسان على ان يكون افضل

وقد يمر وقت يشعر فيه الانسان ان كل ما حدث له كان عبثا ثم يكتشف بعد سنوات ان بعض التجارب كانت تهيئه لشيء لم يكن يعرفه وان بعض الخسارات جعلته اكثر قدرة على الاختيار وان بعض الاشخاص الذين خرجوا من حياته تركوا وراءهم دروسا لم يكن ليتعلمها بطريقة اخرى

وهنا لا يعني ذلك ان الالم كان ضروريا او ان كل خسارة كانت خيرا بل يعني ان الانسان يستطيع ان يصنع معنى من تجربته حتى لو لم يختر حدوثها

وهذه قدرة عظيمة

ان يأخذ الانسان شيئا يؤلمه ثم يحوله الى وعي

ان يأخذ تجربة كسرت جزءا منه ثم يستخدمها ليبني نفسه من جديد

ان ينظر الى ما مضى دون ان يسمح له بأن يصبح سجنا

ومع الوقت يصبح الانسان اكثر اهتماما بالاثر الذي يتركه هو في حياة الآخرين فيبدأ في التفكير قبل ان يتكلم وقبل ان يحكم وقبل ان ينسحب وقبل ان يعطي وعدا لا يستطيع الوفاء به

لأنه يعرف ان الناس قد ينسون تفاصيل كثيرة لكنهم نادرا ما ينسون كيف جعلهم شخص يشعر

قد ينسون ما قيل لهم في يوم معين لكنهم يتذكرون كيف كانوا يشعرون بجوار انسان منحهم الامان

وقد ينسون تفاصيل موقف قديم لكنهم يتذكرون جيدا من وقف بجوارهم عندما كان الجميع بعيدا

ولهذا قد يكون اعظم ما يملكه الانسان ليس ما يقوله عن نفسه بل الاثر الذي يتركه في نفوس من عرفوه

وفي نهاية الطريق لا يبقى للانسان كل ما جمعه ولا كل ما قاله ولا كل المواقف التي حاول فيها اثبات نفسه بل تبقى اشياء ابسط بكثير

قلب اطمأن بجواره

شخص شعر بأنه مفهوم

انسان وجد منه موقفا في وقت صعب

كلمة رفعت معنوياته

يد امتدت اليه عندما احتاجها

وذكرى جميلة جعلته يبتسم بعد سنوات

وهنا يفهم الانسان ان العمر قصير مهما طال وان الاثر اطول من اللحظة وان الانسان قد ينسى يوما كاملا لكنه قد يحمل كلمة واحدة طوال حياته

لذلك كن حريصا على الاثر الذي تتركه

لا تكن سببا في كسر قلب كان يثق بك

لا تجعل من ضعف شخص مادة للسخرية

لا تمنح املا زائفا لمن تعلق بك

لا تقل كلمة قاسية ثم تظن ان الاعتذار سيعيد اللحظة كما كانت

وفي المقابل لا تبخل بالخير

قل الكلمة الجميلة عندما تجد شخصا يحتاجها

اشكر من يستحق الشكر

ساند من يحاول

اعط فرصة لمن اخطأ اذا كان صادقا

واترك خلفك شيئا يجعل من عرفك يذكرك بالخير

فالحياة تمضي والوجوه تتغير والسنوات تبتعد لكن الاثر يبقى في مكان لا تستطيع الايام الوصول اليه

وقد يكون اجمل انتصار للانسان ان يرحل من مكان ما دون ان يترك خلفه جرحا جديدا

وان يمر في حياة الآخرين فيجعلها اخف قليلا

وان ينتهي حضوره لكن يبقى منه شيء جميل في الذاكرة

وهذا هو المعنى الحقيقي للاثر البعيد

ان تنتهي اللحظة لكن لا تنتهي قيمتها

ان يرحل الانسان لكن لا ترحل معه كل معانيه

وان يظل منه شيء صغير في قلب شخص ما يقول له بعد سنوات

كان هناك انسان مر من هنا

ولم يكن مروره عاديا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى