بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن ما يحز في النفس ويملأها حزنا ويعصر القلب أسى أن بعض المسلمين في هذا الزمان لا يعرفون من هن زوجات النبي صلوات ربي وسلامه عليه اللاتي فزن بهذا الشرف العظيم وأصبحن أمهاتا للمؤمنين، فما أحرانا في عصر الفتن والعقوق عصر اشرأبت فيه أعناق المبتدعة، أن نتعرف على سيرتهن وبعض خصائلهن خاصة وأنهن تربين في بيت النبوة وتخرجن من مدرستها وكن أشد التصاقا بقدوتنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء السيدات عشن في بيت النبوة ينزعن جميعا لإلى حواء وقد جئن إلى بيت تلاقت في البشرية بالنبوة، وإتصلت الأرض بالسماء وتزوجن من بشر يتلقى الوحي من السماء، ويبلغ رسالة ربه، ومن أمهات المؤمنين هي أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد التي تجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في جده قصي وهي أقرب نسائه إليه في النسب ولم يتزوج من ذرية قصي غيرها إلا أم حبيبة.
ولم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم امرأة قبلها وكل أولاده عليه الصلاة والسلام منها إلا إبراهيم رضي الله عنه فإنه من السيدة مارية رضي الله عنها وكانت وفاتها رضي الله عنها قبل الهجرة بثلاث سنين، وروى الإمام البخاري بإسناده إلى أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت ” أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه، وهو التعبد، الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال اقرأ، قال ” ما أنا بقارىء” قال صلى الله عليه وسلم ” فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال اقرأ، قلت ما أنا بقارىء، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال اقرأ،
فقلت ما أنا بقارىء، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال ” اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم” فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال ” زملوني زملوني” فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال للسيدة خديجة وأخبرها الخبر ” لقد خشيت على نفسي” فقالت خديجة كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق ” فهذا الحديث تضمن ذكر منقبة ظاهرة لأم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها وهي أنها كانت تقوي قلب النبي صلى الله عليه وسلم في بداية نزول الوحي وطمأنته عليه الصلاة والسلام مما كان يخشاه على نفسه وهونت عليه الأمر وأنه لاخوف عليه ولا حزن وأقسمت للنبي صلى الله عليه وسلم على أن الله لا يخزيه ولا يخذله وإستدلت على ما أقسمت عليه.
وكان من مناقبها رضي الله عنها وأرضاها التي إنفردت بها دون سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنه عليه الصلاة والسلام لم يتزوج عليها حتى فارقت الحياة فقد روى الإمام مسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت ” لم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم على خديجة حتى ماتت ” ومن مناقبها العظيمة قوله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري ” خير نسائها أي في وقتها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة ” ومن مناقبها العظيمة التي دلت على شرفها وجلالة قدرها هو أن النبي المصطفي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من ذكرها بعد موتها بالثناء والمدح، فعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت ” كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء قالت فغرت يوما فقلت ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق قد أبدلك الله عز وجل بها خيرا منها قال ما أبدلني الله عز وجل خيرا منها،
قد آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء ” وقال الإمام ابن العربي ” كان النبي صلى الله عليه وسلم قد إنتفع بخديجة برأيها ومالها ونصرها فرعاها حية وميتة برها موجودة ومعدومة وأتى بعد موتها ما يعلم أنه يسرها لو كان في حياتها ومن هذا المعنى ما روى من أن من البر أن يصل الرجل ود أبيه “

