أخبار منوعة

مخاض السلام الصعب: كيف تعيد صياغة المشهد الإقليمي من نافذة “سويسرا”؟


كتبت /منى منصور السيد
بين حتمية الجغرافيا السياسية وحسابات الصناديق الانتخابية، وفي توقيت بالغ الحساسية من تاريخ الشرق الأوسط، يتبدى مشهد يترقبه العالم بحذر؛ مشهد يتجاوز مجرد رصد حدث سياسي عابر ليقدم تشريحاً دقيقاً لبنية النظام الدولي والإقليمي المعاصر. إن هذا الحدث، الذي يبدو للوهلة الأولى اتفاقاً دبلوماسياً مغلقاً، يحمل في طياته تفاعلات عميقة تصوغ حاضر المنطقة ومستقبلها على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية عبر قراءة متكاملة الأبعاد لمذكرة التفاهم المرتقبة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.


تتبدى البراعة الاستراتيجية عند تفكيك الدوافع البراجماتية العميقة التي قادت الخصمين التاريخيين إلى طاولة المفاوضات بعد مواجهتين عسكريتين خاطفتين (حرب الـ12 يوماً وحرب الـ40 يوماً). فالولايات المتحدة الأمريكية لا تتحرك هنا من منطلق مبدئي، بل تدفعها حسابات داخلية ملحة ترتبط بالانتخابات النصفية للكونجرس؛ حيث يمثل خفض أسعار البنزين للمواطن الأمريكي ورقة رابحة حاسمة للإدارة الحالية. وفي المقابل، تمثل المذكرة لطهران مخرجاً استراتيجياً لإنهاء الحصار البحري ورفع العقوبات الأممية والأمريكية تدريجياً، مع الالتزام بتفكيك جزء جوهري من برنامجها النووي المتمثل في 450 كيلوجراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 65%. ومع ذلك، تبرز المعضلة السياسية الأكبر التي تمثل لغز الشهرين القادمين: شيطان التفاصيل المتعلق بآلية وقف الدعم الإيراني لأذرعها الإقليمية (حزب الله، الحوثيين، الحشد الشعبي، وحماس)، والتمييز المطروح بين الدعم العسكري والدعم المادي. هذا الغموض يفتح الباب على مصراعيه لرفض إسرائيلي مطلق تقوده حسابات البقاء السياسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحزب الليكود، حيث يرى اليمين الإسرائيلي في استمرار الحرب طوق نجاة انتخابي له، مما يرجح سيناريو استخدام جبهة جنوب لبنان وصواريخ حزب الله كأداة لتفجير وقف إطلاق النار وإفشال الاتفاق بالكامل، خاصة مع إغفال المذكرة لملف الصواريخ الباليستية الإيرانية المقلق لتل أبيب.


أما على الصعيد الاقتصادي، فإن شريان السياسة يتصل مباشرة بقلب الاقتصاد العالمي، معيداً الاعتبار للأهمية الاستراتيجية الفائقة لمضيق هرمز. إن تدفق 20% من النفط العالمي و33% من الأسمدة الزراعية عبر هذا الممر المائي يختزل أسباب الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة؛ فإغلاق المضيق كان وقوداً للتضخم والبطالة وارتفاع الأسعار عالمياً. ومن ثم، فإن إعادة فتحه ومشاركة القوى البحرية الأوروبية (بقيادة فرنسا وبريطانيا) في تطهيره من الألغام البحرية، سيعني ضخاً فورياً لإمدادات الطاقة، الأمر الذي سيؤدي تلقائياً إلى تهبيط سعر برميل النفط، وإنعاش سلاسل الإمداد، وتخفيض تكلفة السلع الأساسية عالمياً. وينعكس هذا المشهد ببعد وطني مباشر وبالغ الأهمية على الدولة المصرية؛ إذ إن استقرار الملاحة في مضيق هرمز ومحيطه الجغرافي ينعكس فوراً كحجر زاوية في تأمين البحر الأحمر، وبالتالي عودة حركة التجارة العالمية إلى قناة السويس بكامل طاقتها، مما يعيد تدفقات العائدات الدولارية الحيوية إلى الخزانة المصرية ويعزز استقرار الاقتصاد القومي.


وفي العمق الإنساني والاجتماعي، تنفذ الرؤية الاستراتيجية إلى ما وراء الحسابات العسكرية ليلامس حياة الشعوب التي أرهقتها فاتورة الصراعات. ويتجلى ذلك في رصد الداخل الإيراني الذي عاش سنوات طويلة تحت وطأة الحرمان والتضخم الحاد وتهاوي قيمة العملة الوطنية؛ حيث يمثل الاتفاق تحولاً اجتماعياً جذرياً يتيح للمواطن الإيراني استعادة الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي وبدء حقبة جديدة من الحياة الكريمة. وعلى النقيض، يبرز بعد نفسي واجتماعي معقد في منطقة الخليج العربي؛ فرغم الترحيب بآفاق السلام، تظل هناك غصة وجدانية واجتماعية عميقة تسببت فيها العمليات العسكرية السابقة، وهي فجوة نفسية تؤكد أن توقيع الاتفاقيات السياسية لا يمحو تلقائياً رواسب الصراع بين المجتمعات، بل يتطلب مساراً طويلاً من بناء الثقة.


إن هذا التحليل الاستراتيجي المفصل يبرهن على أن السلام المرتقب ليس مجرد تسوية دبلوماسية عابرة، بل هو معادلة شديدة التعقيد والتداخل؛ تتأرجح بين رغبة قوى كبرى في التهدئة وجني المكاسب الاقتصادية، وتحركات قوى إقليمية متضررة تسعى للعبث بالتفاصيل لإعادة إشعال الفتيل، مما يجعل المرحلة المقبلة بمثابة اختبار حقيقي لقدرة المجتمع الدولي على صياغة سلام دائم أو الانزلاق مجدداً نحو حافة الهاوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى