مقال
ممرات الموت المائي صراع النفوذ والانفجار المرتقب في هرمز وباب المندب

دكتور احمد ابراهيم حنفي
تتصاعد حدة التوتر السياسي والعسكري في أهم الممرات البحرية حول العالم حيث تقف منطقتا مضيق هرمز وباب المندب على أعتاب مرحلة فارقة قد تغير خريطة التوازنات الدولية والإقليمية بشكل جذري ولطالما شكلت هذه المضايق الشرايين الرئيسية لحركة التجارة العالمية وطاقة النفط والغاز التي تدفق عبرها إلى مختلف قارات العالم غير أن التطورات الأخيرة تحول هذه الممرات من محاور للتعاون الاقتصادي والتجاري إلى ساحات للمواجهة المباشرة وغير المباشرة بين القوى العظمى والجهات الفاعلة من غير الدول وتتزايد المخاوف الدولية من سيناريوهات الإغلاق الشامل أو استهداف خطوط الملاحة الأمر الذي يضع الاقتصاد العالمي برمتة في مهب الريح ويعيد رسم معالم الصراع الجيوسياسي في الشرق الأوسط بصورة غير مسبوقة.
إن التحركات العسكرية المكثفة وإعادة نشر القوات البحرية بالقرب من مضيق هرمز يعكسان حالة القلق العميق لدى الدول الكبرى حيال استقرار إمدادات الطاقة حيث يمر عبر هذا الشريان الضيق جزء هائل من النفط المنقول بحرا في العالم وتزداد المعادلة تعقيدا مع إدخال تقنيات حديثة من الطائرات المسيرة والزوارق السريعة والمناورات بالذخيرة الحية التي تزيد من احتمالات الاحتكاك المباشر أو وقوع أخطاء غير محسوبة قد تؤدي إلى اندلاع مواجهة واسعة النطاق لا يمكن السيطرة على تداعياتها وفي الوقت نفسه يشهد مضيق باب المندب تحولات دراماتيكية متسارعة مع استمرار التهديدات التي تطال السفن التجارية وناقلات النفط مما أجبر العديد من شركات الشحن العالمية على تغيير مساراتها المعتادة واللجوء إلى طرق أطول وأكثر تكلفة.
هذا التحول القسري في طرق التجارة لا يقتصر تأثيره على ارتفاع أسعار النفط والتأمين البحري بل يمتد ليشكل ضغطا تضخميا هائلا على السلع الأساسية وسلاسل الإمداد العالمية التي تعاني أصل من اضطرابات متعددة وترتبط الأزمة في باب المندب ارتباطا وثيقا بالتحالفات الإقليمية والصراعات الممتدة في المنطقة حيث تستخدم الممرات المائية كأوراق ضغط سياسية وعسكرية لتحقيق مآرب إستراتيجية وفرض واقع جديد على القوى الدولية الداعمة لحرية الملاحة وفي المقابل تحاول القوى الغربية حشد تحالفات دولية لتأمين هذه المسارات الحيوية مما يضفي بعدا دوليا معقدا على الصراع ويزيد من حدة التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى الراغبة في بسط نفوذها على هذه النقاط الحاكمة.
تظهر القراءة الحصيفة للموقف أن الأزمة الراهنة في هرمز وباب المندب ليست مجرد أحداث عابرة أو توترات مؤقتة بل هي نتاج تراكمات إستراتيجية وطموحات إقليمية متضاربة تتغذى على انعدام الثقة وتراجع التفاهمات الدبلوماسية ومع استمرار التصعيد الكلامي والتحشيد الميداني تبدو الخيارات المتاحة لمنع الانهيار الكامل ضيقة للغاية لا سيما مع انشغال العالم بأزمات أخرى متداخلة ويبقى السؤال المحوري متعلقا بقدرة المجتمع الدولي على إيجاد معادلة توازن تضمن أمن الملاحة وتمنع انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة ستكون تكاليفها الاقتصادية والإنسانية باهظة على الجميع وبدون العودة إلى طاولة المفاوضات ووضع أطر قانونية وأمنية ملزمة تضمن أمن الممرات الجغرافية فإن الخطر سيبقى قائما وستظل هذه المعابر الحيوية مشتعلة على صفيح ساخن يهدد ب انفجار أزمة عالمية كبرى في أي لحظة.



