مقال

كيفَ تفرضُ احترامَكَ دونَ أنْ تفقدَ إنسانيَّتَكَ؟


بقلم: جمال القاضي

ليسَ كلُّ طيِّبٍ مُكرَّمًا، ولا كلُّ مُحسِنٍ يَلقى مِنَ النَّاسِ ما يستحقُّه مِنْ تقديرٍ واحترامٍ. فكثيرًا ما نرى أناسًا يحملون قلوبًا نقيَّةً، ويمنحون الآخرينَ خيرَ ما عندهم مِنْ مَودَّةٍ وإخلاصٍ وعطاءٍ، ويحرصون على ألَّا يُؤذوا أحدًا بقولٍ أو فعلٍ، ثمَّ تكونُ المفاجأةُ أنَّهم أكثرُ النَّاسِ تعرُّضًا للتجاهلِ أو الانتقاصِ أو التعدِّي على حدودِهم الشَّخصيَّةِ.

وهنا يبرزُ سؤالٌ جوهريٌّ: لماذا يُساءُ فهمُ الطَّيبةِ أحيانًا؟ ولماذا تتحوَّلُ الرَّغبةُ في إرضاءِ الآخرينَ عند بعضِ النَّاسِ إلى سببٍ في ضياعِ مكانتِهم وهيبتِهم واحترامِهم؟

إنَّ المشكلةَ في كثيرٍ مِنَ الأحيانِ لا تكمنُ في طيبةِ الإنسانِ ذاتِها، وإنَّما تكمنُ في الطَّريقةِ التي يُعبِّرُ بها عن تلكَ الطَّيبةِ، وفي الحدودِ التي يسمحُ للآخرينَ بتجاوزِها دونَ اعتراضٍ أو موقفٍ واضحٍ. فالطَّيبةُ فضيلةٌ عظيمةٌ، أمَّا التَّنازلُ المستمرُّ عن الحقوقِ فليسَ فضيلةً، والصَّمتُ عن الإهانةِ ليسَ حِلمًا، والتَّفريطُ في الكرامةِ ليسَ دليلًا على حُسنِ الخُلُقِ.

ومن هنا كان لا بدَّ مِنَ التَّمييزِ بينَ طيبةٍ تُكسبُ صاحبَها احترامًا، وطيبةٍ تدفعُ الآخرينَ إلى استغلالِه دونَ أنْ يشعرَ.

إنَّ الشَّخصَ الطَّيِّبَ غالبًا ما يكونُ أكثرَ النَّاسِ حزنًا على نفسِهِ عندما لا يجدُ التَّقديرَ الَّذي كان يتوقَّعُه مِنَ الآخرينَ. فهو يتألَّمُ بصمتٍ، ويُخفي دموعَه خلفَ ابتسامةٍ مُتعبةٍ، ويحتفظُ بشكواهُ في أعماقِهِ، فلا يجدُ مَنْ يبوحُ له بما يشعرُ به.

وكثيرًا ما يسألُ نفسَه: هلِ المشكلةُ فيَّ أم في النَّاسِ؟ ولماذا لا يُعاملونني بالاحترامِ نفسِهِ الَّذي أُعاملُهم به؟ إنِّي أختارُ كلماتي بعنايةٍ، وأُراعي مشاعرَهم، وأحرصُ على ألَّا أقولَ ما قد يُزعجُهم، ومع ذلكَ يغضبونَ منِّي أحيانًا. وإذا أخطأتُ سارعتُ إلى الاعتذارِ، وطلبتُ الصَّفحَ، وأوضحتُ أنَّني لم أقصدِ الإساءةَ، ومع ذلكَ لا أجدُ التَّقديرَ أو المكانةَ الَّتي أستحقُّها. فلماذا يحدثُ ذلكَ؟

إنَّ السَّببَ يكمنُ في كثيرٍ مِنَ التَّصرُّفاتِ الَّتي اعتدتَ القيامَ بها دونَ أنْ تنتبهَ إلى آثارِها.

أسألُكَ سؤالًا: كم مرَّةً أخطأ أحدُهم في حقِّكَ وسكتَّ عن ذلكَ؟
في الغالبِ كان الصَّمتُ هو ردَّكَ الأوَّلَ. وكيفَ عرفتُ ذلكَ؟ لأنَّ مَنْ أخطأ في حقِّكَ عادَ وكرَّرَ الخطأَ مرَّةً أُخرى، ولكنْ بصورةٍ أشدَّ. ولو أنَّكَ وضعتَ حدًّا منذُ البدايةِ لما تجرَّأ على التَّمادي.

لقد كان صمتُكَ لأنَّكَ خشيتَ أنْ يغضبَ إذا عاتبتَه، أو أنْ يُسيءَ فهمَكَ، أو أنْ يظنَّ أنَّكَ شخصٌ حادُّ الطِّباعِ. وخشيتَ كذلكَ أنْ يقولَ عنكَ النَّاسُ إنَّكَ لستَ كما كنتَ تبدو لهم.

ولكنْ ماذا كانتِ النَّتيجةُ؟
كانتِ النَّتيجةُ أنَّ بعضَهم فهمَ صمتَكَ على أنَّه ضعفٌ، وظنَّ أنَّ تجاوزَ حدودِهِ معكَ لن يُكلِّفَه شيئًا، فازدادتْ جرأتُه في المرَّةِ التَّاليةِ.

لقد خفتَ مِنْ إزعاجِهم حينَ تُعبِّرُ عن انزعاجِكَ، مع أنَّكَ تعلمُ يقينًا أنَّ مِنْ حقِّكَ أنْ تغضبَ كما أنَّ مِنْ حقِّهم أنْ يغضبوا.

لقد كان صمتُكَ أيضًا لأنَّكَ اعتدتَ أنْ تعيشَ دورَ الشَّخصِ الَّذي يتنازلُ دائمًا، ويتركُ للآخرينَ حقَّ التَّفكيرِ والاختيارِ واتِّخاذِ القراراتِ، حتَّى في الأمورِ الَّتي تخصُّ حياتَه الشَّخصيَّةَ. ومع مرورِ الوقتِ أصبحتَ شديدَ التَّعلُّقِ ببعضِ الأشخاصِ، تخشى فقدانَهم، وتتخيَّلُ أنَّ حياتَكَ ستنهارُ إذا ابتعدوا عنكَ، بينما الحقيقةُ أنَّ الإنسانَ أقوى ممَّا يتصوَّرُ.

كما أنَّكَ قد تصمتُ خوفًا مِنْ تأنيبِ ضميرِكَ، فتتخيَّلُ أنَّه سيقولُ لكَ: لقد خسرتَ كلَّ شيءٍ بسببِ موقفِكَ هذا. فتُفضِّلُ التَّنازلَ المؤقَّتَ على المواجهةِ المشروعةِ، حتَّى وإنْ كانَ ذلكَ على حسابِ كرامتِكَ وحقوقِكَ.

ولكنْ ماذا ينبغي أنْ تفعلَ؟
ينبغي أنْ تبدأَ منذُ الموقفِ الأوَّلِ. فإذا أُسيءَ إليكَ فلا تلتزمِ الصَّمتَ، بل بيِّنْ بهدوءٍ واحترامٍ أنَّ ما حدثَ غيرُ مقبولٍ. ولا تجعلْ خوفَكَ مِنْ انزعاجِ الطَّرفِ الآخرِ يمنعُكَ مِنَ التَّعبيرِ عن حقِّكَ؛ لأنَّه حينَ أساءَ إليكَ لم يُفكِّرْ في مقدارِ الأذى الَّذي سبَّبَه لكَ.

واعلمْ أنَّ العتابَ المُهذَّبَ لا يُضعفُكَ كما تتصوَّرُ، بل يمنحُكَ قوَّةً واحترامًا. فأنتَ حينَ تُعاتبُ مَنْ أخطأ في حقِّكَ ترسمُ حدودَ شخصيَّتِكَ، وتُوجِّهُ رسالةً واضحةً مفادُها أنَّ لكَ مساحةً خاصَّةً لا يُسمحُ لأحدٍ بتجاوزِها؛ لأنَّها تمثِّلُ كرامتَكَ وحقوقَكَ الإنسانيَّةَ.

ولا تتجاهلْ أيَّ موقفٍ يُنتقصُ فيه مِنْ قدرِكَ. واحرصْ على إنهاءِ الأمورِ بوضوحٍ، ولا تحملْ معكَ إلى بيتِكَ مواقفَ مُعلَّقةً أو حقوقًا ضائعةً.

واعلمْ أنَّكَ قادرٌ على الرَّدِّ والدِّفاعِ عن نفسِكَ بطريقةٍ محترمةٍ. كما ينبغي أنْ تُدركَ أنَّ حياتَكَ لا تنتهي برحيلِ أحدٍ، مهما بلغتْ درجةُ تعلُّقِكَ به، وأنَّ قيمتَكَ لا تستمدُّها مِنْ وجودِ الآخرينَ في حياتِكَ.

إنَّ كثيرًا مِنَ المخاوفِ الَّتي تُرهقُكَ ليستْ إلَّا تصوُّراتٍ صنعَها الخيالُ لأحداثٍ لم تقعْ بعدُ. وقد تكتشفُ عندَ حدوثِ الموقفِ أنَّ الواقعَ أبسطُ بكثيرٍ ممَّا كنتَ تتخيَّلُ.

لذلكَ واجهِ المواقفَ بهدوءٍ، وفكِّرْ قبلَ أنْ تتكلَّمَ، ولا تُظهرْ ضعفَكَ أو خوفَكَ للآخرينَ؛ لأنَّ الخوفَ يُربكُ التَّفكيرَ ويمنعُ الإنسانَ مِنَ التَّعبيرِ عن نفسِهِ بصورةٍ سليمةٍ.

واعلمْ أنَّ الآخرينَ ليسوا أقوى منكَ كما تتصوَّرُ، ولكنَّكَ لم تمنح نفسَكَ بعدُ القدرَ الكافيَ مِنَ الثِّقةِ.

وتذكَّرْ دائمًا أنَّ مَنْ لم يجعلْ لكَ مكانةً في قلبِهِ لا يستحقُّ أنْ تمنحَه مكانةً كبيرةً في قلبِكَ. فالاحترامُ المتبادلُ أساسُ العلاقاتِ السَّليمةِ، ومَنْ يتعاملُ معكَ باعتبارِكَ وسيلةً لمصالحِهِ فقط لا يستحقُّ أنْ يكونَ في دائرةِ اهتمامِكَ.

أمَّا إذا استمررتَ في السَّلبيَّةِ والتَّنازلِ الدَّائمِ، فعليكَ أنْ تتحمَّلَ نتائجَ ذلكَ؛ لأنَّ النَّاسَ ستعتادُ أنْ تُلقيَ عليكَ ما لا تريدُ حملَه، وأنْ تتجاوزَ حقوقَكَ ما دمتَ لا تُدافعُ عنها. وحينئذٍ ستفقدُ مكانتَكَ في أعينِهم شيئًا فشيئًا.

واعلمْ أنَّ المكانةَ لا يصنعُها الآخرونَ لكَ، بل تصنعُها أنتَ بنفسِكَ. والكرامةُ تاجٌ يختارُه الإنسانُ ويحافظُ عليه، فإذا فرَّطَ فيه سقطتْ منزلتُه بينَ النَّاسِ.

لذلكَ عاتبْ ولا تخشَ العتابَ، وواجِهْ ولا تهربْ مِنَ المواجهةِ، وتحدَّ خوفَكَ في كلِّ موقفٍ. فمعَ كلِّ مرَّةٍ تنتصرُ فيها على خوفِكَ ستكتشفُ في نفسِكَ شجاعةً وقوَّةً لم تكنْ تعلمُ بوجودِهما، وستزدادُ ثقةً بنفسِكَ وقدرةً على نيلِ الاحترامِ الَّذي تستحقُّه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى