كمال البيان (5): إزالة توهّم تضارب آيات القرآن
المجمل والمبين.. حين يضع القرآن الأصل وترسم السنة التفاصيل
بقلم: الأديب المفكر
د. كامل عبد القوي النحاس
تمهيد:
إيجاز الحكيم وبيان الأمين
من أعجب ما يطالع المتأمل في كتاب الله العزيز أن هذا الوحي الخالد يجمع بعبقرية إلهية بين طرفين قد يظنهما الناظر متباعدين، وهما إيجاز الحكيم البالغ وبيان الأمين الشامل.
فالقرآن يلقي إلينا بالقاعدة العظيمة في كلمات معدودات كأنها القواعد الراسخة التي يقوم عليها البنيان، وهذا ما نسميه في لغة الأصول المجمل.
ثم لا يترك العقول حائرة في ظلال الإبهام، بل تشرق السنة النبوية أو تأتي آيات أخرى لتفصل لنا دقائق هذا الحكم، وهذا هو المبين.
وهذه القاعدة أصلٌ في فهم الوحي:
أن المجمل لا يُفهم على كماله إلا ببيانه، وأن حمله على الظن المجرد منشأُ كثير من توهّم التعارض.
فالمجمل والمبين ليس بينهما تضاد ولا صراع، بل هما النواة والشجرة؛ فمن نظر إلى النواة استصغر حجمها، ومن رأى الشجرة عجب من طولها وتفاصيلها، والحقيقة الكبرى أن الشجرة بجمالها وأغصانها وثمارها كانت كامنة في تلك النواة. إن المجمل ليس نقصاً في البيان، بل هو إيجاز مقصود يلقي الأصل ويستدعي البيان في موضعه، ليبقى النص حياً متصلاً بالواقع وممتداً عبر الزمان، كمن يضع أساس البناء ثم تأتي السنة فترفع الجدران وتحكم التفاصيل.
بسط الشرح في أمثلة التبيان
المثال الأول: الصلاة.. من نداء السماء إلى هيئة الأداء
حين نقرأ نداء الله الخالد:
{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}
(البقرة: 43)
نجد أنفسنا أمام أمر عظيم جاء في صيغة موجزة تشعر بجلال الفريضة، لكنها لم تدخل في تفصيلات الأداء.
فلو ترك الأمر لعقولنا لاختلفت هيئاتنا في الركوع والسجود، ولضاع توحيد الصف.
فجاء النبي ﷺ ليكون الترجمة الحية لهذا النداء، فنقل الصلاة من فكرة ذهنية إلى حركة عملية حين قال:
صلوا كما رأيتموني أصلي.
(البخارى)
فالحق أن الصلاة في القرآن روح تطلب الوصال، وفي السنة جسد يعرف كمال الامتثال، وبينهما تمام العبادة.
المثال الثاني: الزكاة.. شرح الأنصبة وميزان العدل
يأمر الله في كتابه أمراً موجزاً:
{وَآتُوا الزَّكَاةَ}
(البقرة: 110)
هذا هو المجمل، فلو ترك تحديد القدر للناس لربما أخرج الغني قليلاً لا يسمن من جوع، أو أخرج الفقير ما هو محتاج إليه. فجاء البيان النبوي ليرسم حدوداً دقيقة تحمي الطرفين، فحدد النصاب — وهو الحد الأدنى الذي تجب فيه الزكاة — واشترط حولان الحول، وهو مرور عام هجري كامل على ملكية المال.
والمعنى ببساطة:
لا تجب عليك الزكاة إلا إذا ملكت قدراً من المال يعادل 85 جراماً من الذهب عيار 24، أوخمس أواق من فضة، وهى ما يعادل 595 جراما ، او خمسة أوسق من الحبوب وهى ما يعادل 653 كيلوجراماً تقريباً.
ومرت عليه سنة كاملة وهو في حوزتك دون أن ينقص، كما دلّت عليه الأحاديث الصحيحة.
فبالمجمل أمرنا الله بالعطاء، وبالبيان النبوي حمانا الله من الحيرة ومن الظلم؛ فلا يُطالب الفقير بمال وهو أولى بالمعونة، ولا يُترك الغني بغير حساب.
المثال الثالث: الصيام.. ضبط الزمان وإزالة الحيرة
فرض الله الصيام بقوله:
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}
(البقرة: 183)
فاحتاج الناس إلى معرفة متى نمسك ومتى نفطر، فجاء البيان في القرآن والسنة ليقطع الشك باليقين:
{حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}
(البقرة: 187)
ثم أكد النبي ﷺ هذا الميقات بقوله:
إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم
(متفق عليه)
وهكذا تحول الصيام من مجرد فريضة عامة إلى عمل منضبط بدقائق الساعة، لا زيادة فيه ولا نقصان.
المثال الرابع: الوصية.. تقييد العاطفة بحق الورثة
من دقائق هذا الباب قوله تعالى:
{الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ}
(البقرة: 180)
هذا النص مجمل، فلو تركه الإنسان لعاطفته الجياشة عند الموت لربما أوصى بكل ماله وترك أبناءه فقراء يتكففون الناس.
فجاء البيان النبوي ليحفظ التوازن بين كرم الموصي وحق الورثة، فقال ﷺ:
الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كثير
(متفق عليه)
فالمجمل فتح باب الإحسان، والبيان حدد له سقفاً لا يتجاوزه، وهو ثلث التركة، ليبقى المال في أهله بالعدل والإنصاف.
ولا وصية لوارث صيانةً للحقوق المقررة شرعاً كما ثبت في السنة.
المثال الخامس: الحج.. من فرض مجمل إلى مشهد حي
خاطب الله الناس بفرض الحج مجملاً:
{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ}
(آل عمران: 97)
ولما كان الحج عبادة فيها السفر والسعي والوقوف، كانت الحاجة إلى البيان ضرورة قصوى. فكان النبي ﷺ هو البيان المتحرك بين الناس حين قال:
لتأخذوا عني مناسككم.
(مسلم)
فصار المسلم يطوف ويسعى ويقف بعرفة، وهو يرى في أفعال النبي ﷺ تفصيل الكلمة التي أُجملت في القرآن، لتكتمل الرحلة الإيمانية بأبهى صورها.
الخلاصة بلغة الوجدان:
إن كمال البيان يتجلى في هذا التكامل الفريد؛ فالقرآن يضع خريطة النور، والسنة تسير بنا في دروب العمل. لا تعارض في وحي الله، بل هو صرح واحد، أساسه في الكتاب، وتفاصيله في السنة المطهرة، وكلاهما يخرج من مشكاة واحدة.
فهو بيانٌ من عند الله، وتفصيلٌ بوحيه، لا مجال فيه لتناقض ولا اضطراب.
{ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}
(القيامة: 19)
تمهيد للمقال القادم:
بعد أن أبصرنا كيف تشرق التفاصيل لتبين ما أُجمل، ننتقل في الحلقة القادمة إلى العام الذي أُريد به الخصوص، لنرى كيف يخاطب القرآن فرداً واحداً، بينما يمتد الحكم ليشمل الأمة جمعاء، كما في خطاب النبي ﷺ في بعض الآيات مع أن الحكم للأمة كلها، وكيف يكون الخاص بوابة لترسيخ القوانين العامة للبشرية.
وللبيان بقية…


