مقال
كرامة المسلم العاقل عند الله

بقلم / محمـــد الدكـــروري
هذا هو رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي أعفى البشرية من التكاليف الشاقة، وأراحها من المصاعب، وأبعدها من المعاطب، وسهل لها بإذن الله أمر الحياة، وبصّرها بسنن الفطرة، فهو صلي الله عليه وسلم رحمة للإنسان، إذا علّمه الرحمن، وسكب في قلبه نور الإيمان، ودلّه على طريق الجنان، وهو صلي الله عليه وسلم رحمة للشيخ الكبير، إذ سهّل له العبادة، وأرشده لحسن الخاتمة، وأيقظه لتدارك العمر وإغتنام بقية الأيام.
وهو صلي الله عليه وسلم رحمة للشاب إذ هداه إلى أجمل أعمال الفتوة وأكمل خصال الصبا، فوجّه طاقته لأنبل السجايا وأجلّ الأخلاق، وهو صلي الله عليه وسلم رحمة للطفل، إذ سقاه مع لبن أمه دين الفطرة، وأسمعه ساعة المولد أذان التوحيد، وألبسه في عهد الطفولة حلة الإيمان، وهو صلي الله عليه وسلم رحمة للمرأة، إذ أنصفها في عالم الظلم، وحفظ حقها في دنيا الجور، وصان جانبها في مهرجان الحياة، وحفظ لها عفافها وشرفها ومستقبلها، فعاش أبا للمرأة وزوجا وأخا ومربيا، فاللهم صلي وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله، فإعلموا أن الإنسان المسلم العاقل من كرامته على الله تعالى لا يشتت خاطره في أمور الدنيا ومشاكلها وشواغلها الكثيرة، وييسر له أموره كلها، ويجعل له من كل ضيق فرجا.
ومن كل هم مخرجا لأن من كانت الآخرة أكبر همه كان من المتقين، والله تعالي يقول ” ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب” ويقول سبحانه وتعالي ” ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا” وليكن معلوما أن من انشغل بالدنيا أو انشغل بالآخرة يأتيه من الدنيا ما كتب له، ولكن من كانت الآخرة أكبر همه تأتيه الدنيا وهي ذليلة لأنه غير متعلق بها ولا متطلع إليها، بل ما أتاه شكر الله عليه واستعمله فيما يحل، وما فاته منها لم يحزن عليه لأنه يعلم أنه ليس له لهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “أيها الناس اتقو الله وأجملوا في الطلب فإن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم” أي اطلبوا الرزق طلبا رفيقا من طريق حلال، ولا تبتغوا الرزق بالحرام.
والله عز وجل يقول “وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا” وقال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى، أي استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة، في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات التي يحصل لك بها الثواب في الدار الآخرة “ولا تنس نصيبك من الدنيا” أي مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح ، فإن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولزورك عليك حقا، فآت كل ذي حق حقه” وقد ورد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى “ولا تنس نصيبك من الدنيا” أنه رضي الله عنه قال أن تعمل فيها لآخرتك، وقال عون بن عبد الله إن قوما يضعونها على غير موضعها، ولا تنس نصيبك من الدنيا أي تعمل فيها بطاعة الله، فالآية ترشدك إلى تغليب الآخرة على الدنيا وخصوصا عند التعارض.



