مقال
صراخ الصمت

بقلم: وليد درويش
هناك صمت لا يعني أن الإنسان لا يملك ما يقوله، بل يعني أن في داخله كلاما لو خرج، لهدم أشياء كثيرة.
هناك أناس لا يصمتون لأنهم عاجزون عن الكلام، وإنما لأنهم تعبوا من الكلام الذي لا يغير شيئا.
تعبوا من شرح ما يشعرون به لمن لا يريد أن يفهم، ومن الدفاع عن نواياهم أمام من قرر أن يسيء تفسيرها، ومن تبرير وجعهم لمن كان سببا فيه.
فآثروا الصمت.
وليس كل صامت ضعيفا…
بعض الصمت قوة لا يملكها إلا من عرف أن بعض المعارك لا تستحق أن يخسر الإنسان نفسه من أجلها.
—
كم من إنسان يضحك أمامك، وفي داخله جنازة لا تنتهي؟
كم شخصا يقول لك: “أنا بخير”، بينما هو يقضي الليل كله في محاكمة نفسه؟
كم قلبا كسر، ثم جمع صاحبه شظاياه بعيدا عن أعين الناس، وابتسم في الصباح وكأن شيئا لم يحدث؟
نحن لا نعرف حقيقة الذين حولنا.
قد تجلس بجوار إنسان هادئ، وتظنه أكثر الناس راحة، بينما في صدره عاصفة لو رأيتها، لبكيت من أجله.
فالإنسان لا يحمل دائما ما يستطيع أن يرويه.
هناك أوجاع لا تجد لغة.
وهناك خيبات أكبر من أن تختصر في جملة.
وهناك دموع يعرف صاحبها أنها إن نزلت مرة، فلن يستطيع إيقافها.
لذلك يصمت.
—
الصامت ليس دائما بلا حكاية.
ربما لديه ألف حكاية، لكنه فقد الشخص الذي يستطيع أن يحكيها له.
وربما تكلم ذات يوم…
فلم يسمعه أحد.
أو سمعوه، لكنهم لم يفهموه.
أو فهموه، ثم استخدموا اعترافه ضده.
ومن هنا يولد نوع آخر من الصمت…
صمت الصابرين.
ذلك الصمت الذي يأتي بعد محاولات كثيرة.
بعد عتاب طويل.
بعد انتظار.
بعد إعطاء فرص لا تحصى.
بعد أن يقول الإنسان في داخله:
“لقد فعلت ما استطعت.”
عندها لا يعود الصمت هروبا…
بل يصبح قرارا.
—
أصعب ما في الصمت أنك تستطيع أن تشرح للناس لماذا تألمت، لكنك لا تستطيع أن تجعلهم يشعرون بالألم نفسه.
قد تخبرهم عن ليلة بكيت فيها حتى الصباح، لكنهم لن يعرفوا كم كان ثقيلا ذلك الليل.
قد تحدثهم عن شخص فقدته، لكنهم لن يشعروا بالفراغ الذي تركه.
قد تقول لهم إنك خذلت، لكنهم لن يعيشوا لحظة اكتشافك أن اليد التي وثقت بها كانت هي نفسها اليد التي دفعتك إلى السقوط.
لهذا يصمت بعض الناس.
ليس لأنهم لا يريدون أن يتكلموا…
بل لأن الكلام لم يعد يعيد شيئا.
—
وهناك صمت أشد قسوة…
أن تكون محتاجا إلى كلمة، ولا تجد من يقولها.
أن تكون على وشك الانهيار، فيسألك أحدهم:
“ماذا بك؟”
فتبتسم وتقول:
“لا شيء.”
ليس لأنك لا تريد أن تقول الحقيقة…
بل لأنك لا تعرف كيف تقول:
“أنا متعب.”
“أنا خائف.”
“أنا موجوع.”
“أنا بحاجة إلى أحد.”
كم هو مؤلم أن يصل الإنسان إلى مرحلة يحتاج فيها إلى أن يحتضنه أحد، لكنه بدلا من ذلك يحتضن نفسه ويقول:
“سأمررها هذه المرة أيضا.”
—
نحن نطلب من الصامتين أن يتحدثوا…
لكننا نادرا ما نسأل أنفسنا:
هل كنا جديرين بأن يسمعونا؟
فكم من إنسان أفسدنا عليه شجاعته حين سخرنا من ضعفه؟
وكم من قلب أغلقناه حين قابلنا صدقه بالبرود؟
وكم من شخص جاء إلينا حاملا وجعه، فخرج منا أكثر وجعا؟
ثم نتساءل بعد ذلك:
“لماذا تغير؟”
لم يتغير…
لقد تعلم.
تعلم أن ليس كل صدر مأمنا.
وأن ليس كل أذن تحفظ سرا.
وأن بعض القلوب إذا أعطيتها حقيقتك، أعادت إليك إياها كسلاح.
—
الصمت أحيانا ليس رضا.
قد يكون آخر درجات الاحتمال.
قد يكون الإنسان قد صرخ كثيرا، لكن صراخه كان داخليا.
استنجد دون صوت.
بكى دون دموع.
عاتب دون كلمات.
وانتظر دون أن يطلب شيئا.
ثم جاء يوم…
سكت فيه تماما.
وهنا يجب أن نخاف.
لأن الإنسان حين يتوقف عن العتاب، لا يعني دائما أنه سامح.
قد يعني أنه فقد الأمل.
والفرق بينهما كبير.
—
هناك أشخاص إذا رحلوا من حياتك، لن يصفقوا للرحيل، ولن يكتبوا منشورا عن الخذلان، ولن يفضحوا أسرارك، ولن يشرحوا لأحد ماذا فعلت بهم.
سيرحلون بصمت.
وستظن أنهم لم يتأثروا.
لكن الحقيقة أنهم ربما تألموا أكثر مما تستطيع أن تتخيل.
فبعض الناس حين تنكسر قلوبهم لا يحطمون شيئا حولهم…
بل يجلسون وحدهم، ويعيدون بناء أنفسهم في الظلام.
وحين يعودون، لا يعودون كما كانوا.
يعودون أكثر هدوءا…
وأقل كلاما…
وأشد حذرا.
—
يا من تصمت لأنك تعبت من البوح…
لا تظن أن صبرك ذهب سدى.
ولست مطالبا بأن تشرح وجعك لكل عابر.
ولا بأن تقنع الجميع أنك كنت مظلوما.
فالزمن يكشف ما عجز الكلام عن إثباته.
وقد يأتي يوم يفهم فيه الذين أساؤوا فهمك، لماذا كنت صامتا.
وقد لا يأتي…
ولا بأس.
فليس كل حق يحتاج إلى جمهور.
يكفي أن الله يعرف.
—
وأنت يا من ترى شخصا صامتا أمامك، لا تسخر من هدوئه، ولا تظن أن ابتسامته دليل على أنه بخير.
اقترب منه برفق.
لا تسأله كثيرا.
قل له فقط:
“أنا هنا… ولو أردت أن تتكلم، سأسمعك.”
فربما تكون هذه الجملة الصغيرة هي الشيء الوحيد الذي كان ينتظره منذ سنوات.
—
الصمت ليس دائما غياب الصوت.
أحيانا يكون الصوت الوحيد الذي بقي للإنسان.
صوتا لا تسمعه الآذان…
لكن تسمعه القلوب التي عرفت الألم.
وفي نهاية المطاف، سيبقى هناك أناس لم يقولوا كل ما كان في قلوبهم، ولم يردوا على كل إساءة، ولم يكشفوا كل خذلان، ولم ينتقموا ممن ظلمهم.
اختاروا أن يصمتوا.
ليس خوفا…
ولا ضعفا…
بل لأنهم أدركوا أن بعض الكلام يجرح قائله أكثر مما يجرح سامعه.
فصبروا.
وصمتوا.
ومضوا.
لكنهم في أعماقهم كانوا يصرخون…
صرخة لا يسمعها إلا الله.
وهذا هو صراخ الصمت…
أن يكون في قلبك كلام يكفي لزلزلة عالم كامل، ثم تختار أن تدفنه في صدرك، وتقول:
“سأصمت… ليس لأنني لا أستطيع الكلام، بل لأنني تعلمت أن بعض الصمت كرامة، وبعض الصبر عبادة، وبعض الرحيل أرحم من ألف كلمة.”



