قراءة في المرتكزات الجيوسياسية لمقال اللواء سمير فرج

كتبت /منى منصور السيد
شهدت الدولة المصرية على مدار العقد المنصرم تحولات استراتيجية عميقة شملت البنى السياسية والعسكرية والاقتصادية، وهي التحولات التي تظل مادة غنية للقراءة والتحليل في أحدث المقالات التحليلية التي تناولت الرؤية الاستراتيجية لمعالي اللواء سمير فرج. ولعل الفحص الدقيق للمحاور التي طرحها معاليه في مقاله الأخير يمنحنا فرصة لتفكيك المشهد الجيوسياسي الراهن، وفهم كيف تترابط خيوط الأمن القومي لتشكل لوحة متكاملة تتداخل فيها القوة العسكرية بالدبلوماسية المرنة والتنمية المستدامة.
إن القراءة المتأملة لطبيعة الطرح الذي قدمه معالي اللواء تكشف عن ركيزة أساسية؛ وهي أن استعادة المقعد الريادي للدولة في محيطها الإقليمي والدولي لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة إعادة تموضع حاد وهندسة جديدة للعلاقات الخارجية حمت الوطن من نفق مظلم. هذا التوجه، كما فنده معاليه، بدأ من الدائرة الأفريقية كعمق استراتيجي حاسم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بملف الأمن المائي وقضية الوجود، وامتد ليشمل صياغة شراكات متوازنة مع القوى الدولية الكبرى شرقاً وغرباً، مما أخرج القرار السياسي من أسر القطبية الواحدة ومنح الدولة هامشاً واسعاً من المناورة وحرية الحركة في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.
وعلى الصعيد العسكري، يتجلى العمق التحليلي في المقال الأخير لمعالي اللواء من خلال تفكيك فلسفة “تنويع مصادر السلاح” التي انتهجتها الدولة كأحد أبرز مكتسبات المرحلة. فالانتقال من حالة الاعتماد شبه الكلي على مدرسة تسليحية واحدة طوال عقود مضت، إلى الانفتاح على المدارس الأوروبية والآسيوية المتعددة، يمثل تحولاً جذرياً في العقيدة اللوجستية. هذا التنوع لم يكن مجرد صفقات تجارية، بل كان قراءة واعية لسيناريوهات الحروب الحديثة وضماناً لعدم ارتهان القدرة العسكرية بضغوط خارجية أو نقص في قطع الغيار وقت الأزمات. وتكتمل رؤية معاليه بالإشارة إلى إعادة إحياء التصنيع العسكري المحلي وتحويل الطاقات الإنتاجية نحو بناء قوة بحرية وردعية وضعت الدولة في صدارة الترتيب الإقليمي لحوض البحر المتوسط، مما جعل القوة العسكرية درعاً حامياً للمكتسبات الاقتصادية وحقول الغاز الشاطئية.
وفي المقابل، لا يمكن فصل القوة العسكرية عن جبهتها الداخلية؛ إذ يظهر تحليل المقال الأخير أن التنمية الشاملة هي الوجه الآخر للأمن القومي في عقيدة الدولة المصرية. فالبلاد التي كانت تواجه شبح الاختناق المالي والافتقار إلى الرؤى الإصلاحية، استعاضت عن ذلك بإطلاق مشروعات قومية كبرى لاستصلاح الأراضي وتنمية شبه جزيرة سيناء. هذا الربط الذكي، الذي ركز عليه معالي اللواء، بين اقتلاع جذور الإرهاب عسكرياً وزرع شرايين الحياة تنموياً يعكس فهماً متطوراً لمفهوم مجابهة التهديدات من جذورها، ويكرس مبدأ أن الاستقرار لا يدوم إلا بتحقيق حد أدنى من التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية.
تبدو الرؤية الاستشرافية التي ختم بها معالي اللواء مقاله محملة بوعي حذر يتسم بالواقعية السياسية؛ فالوصول إلى بر الأمان لا يعني انتهاء التحديات،
بل يفرض مواجهة مستمرة لملفات وجودية متجددة، وعلى رأسها أمن الطاقة في شرق المتوسط، والتأمين الاستراتيجي للحدود الجغرافية الملتهبة، فضلاً عن استكمال شبكات الحماية الاجتماعية كالمبادرات الريفية الشاملة ومنظومات الرعاية الصحية لضمان صلابة الجسد المجتمعي. إنها قراءة متكاملة تؤكد أن العبور بالوطن من المنعطفات الحرجة لم يكن مجرد نجاة مؤقتة، بل كان إعادة بناء شاملة لهيكل الدولة لحمايتها من السقوط في أنفاق مظلمة لا قرار لها.



