مقال

صَرْخَةٌ مِنَ الحُقُولِ


مَنْ يُنْقِذُ الفَلَّاحَ المِصْرِيَّ مِنَ الخَسَائِرِ المُتَرَاكِمَةِ؟
بقلم جمال القاضي

لم يكن الفلَّاحُ المصريُّ يومًا مجردَ عاملٍ في الأرض، بل كان على امتداد التاريخ حارسًا للأمن الغذائي، وصانعًا للحياة فوق أرضٍ ارتبطت بها حضارةُ مصر وازدهارها. غير أن هذا الفلَّاح الذي ظل لعقود طويلة عنوانًا للعطاء والصبر، أصبح اليوم يواجه واقعًا بالغ القسوة، تتزاحم فيه الأعباء وتتراجع فيه المكاسب، حتى باتت الزراعة في نظر كثيرين طريقًا للخسارة أكثر منها وسيلةً للرزق الكريم.

سنواتٌ طويلة قضاها المزارعون في انتظار تحسن الأحوال، متمسكين بالأمل في غدٍ أفضل، لكن الواقع كان أكثر قسوة من أحلامهم. فمع ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع العائد الاقتصادي، وغياب الرؤية التسويقية الواضحة، وجد الفلاح نفسه وحيدًا في مواجهة أزمات متلاحقة استنزفت جهده وأضعفت قدرته على الاستمرار.

ولم يعد غريبًا أن يفضل بعض أصحاب الحيازات الصغيرة العمل بالأجر لدى الآخرين بدلًا من قضاء يومهم في خدمة محصول قد لا يحقق عائدًا يغطي تكلفة إنتاجه، فضلًا عن توفير احتياجات أسرته المعيشية. وهي ظاهرة تعكس حجم الأزمة التي بات يعيشها قطاع الزراعة في الريف المصري.

والأخطر من ذلك أن معاناة الفلاح لم تعد قضية تخص أبناء الريف وحدهم، بل أصبحت قضية ترتبط بالأمن الغذائي للدولة بأكملها. فكل تراجع في قدرة المزارع على الإنتاج ينعكس بصورة مباشرة على حجم المعروض من الغذاء واستقرار أسعاره، ما يجعل الحفاظ على استدامة النشاط الزراعي ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.

الفَلَّاحُ فِي مُوَاجَهَةِ مُعَادَلَةِ الخَسَارَةِ

في الماضي القريب، كانت المحاصيل الزراعية تمثل مصدرًا حقيقيًا للرخاء داخل الأسرة الريفية. فمواسم القطن والأرز كانت ترتبط بتحقيق أحلام كثيرة؛ من تزويج الأبناء إلى بناء المنازل وتوفير متطلبات الحياة.

وكان القطن يُعرف بـ«الذهب الأبيض» لما يحققه من عائد اقتصادي مجزٍ، لكن ارتفاع تكاليف زراعته وتراجع إنتاجيته وانخفاض العائد منه دفع المزارعين إلى العزوف عنه تدريجيًا، حتى تقلصت مساحاته بصورة ملحوظة.

أما الأرز، الذي كان يمثل طوق نجاة اقتصاديًا لآلاف الأسر الريفية، فلم يسلم هو الآخر من الأزمة. فقد شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعًا كبيرًا في تكاليف زراعته، بداية من عمليات إعداد الأرض والشتل والري والأسمدة، مرورًا بأجور العمالة والنقل، وانتهاءً بتكاليف الحصاد، الأمر الذي أدى إلى تآكل هامش الربح بصورة جعلت كثيرًا من المزارعين يشعرون بأن عائد المحصول لا يوازي حجم الجهد المبذول فيه.

ومع مقارنة العائد الاقتصادي لمختلف المحاصيل الصيفية بحجم النفقات المطلوبة لإنتاجها، أصبح كثير من المزارعين يتساءلون: ما الجدوى من الاستمرار في الزراعة إذا كانت الأرباح لا تكفي لتلبية أبسط متطلبات الحياة؟

وتتفاقم الأزمة مع الارتفاع الكبير في إيجارات الأراضي الزراعية، التي اقتربت في بعض المناطق من ستين ألف جنيه للفدان الواحد، وهو ما دفع أعدادًا متزايدة من مستأجري الأراضي إلى الانسحاب من النشاط الزراعي بعد أن أصبحت الحسابات الاقتصادية غير مشجعة على الاستمرار.

مَحَاصِيلُ بِلَا أَسْوَاقٍ… وَخَسَائِرُ تَتَكَرَّرُ كُلَّ مَوْسِمٍ

تمثل السياسة التسويقية واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في القطاع الزراعي، إذ يجد الفلاح نفسه مضطرًا إلى اتخاذ قرارات الزراعة اعتمادًا على أسعار الموسم السابق، فيقبل على زراعة محصول حقق أرباحًا جيدة في عام ما، ثم يفاجأ عند الحصاد بانخفاض أسعاره أو انهيارها نتيجة زيادة المعروض أو غياب التخطيط التسويقي السليم.

وتكشف هذه الظاهرة عن فجوة واضحة بين الإنتاج الزراعي ومتطلبات الأسواق، في ظل غياب قواعد استرشادية تساعد المزارعين على اختيار المحاصيل الأكثر احتياجًا وربحية.

وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما يتم استيراد بعض المحاصيل من الخارج في توقيتات تتزامن مع مواسم الإنتاج المحلي، مما يؤدي إلى تراجع الأسعار بصورة تؤثر سلبًا على المنتج المصري وتضعف قدرة الفلاح على تحقيق عائد عادل من جهده.

وفي نهاية كل موسم، يجد المزارع نفسه أمام معادلة مؤلمة؛ فقد أنفق المال والوقت والجهد، لكنه لا يحصد سوى عائد محدود لا يتناسب مع حجم التضحيات التي قدمها طوال شهور الزراعة.

أَسْئِلَةٌ تَنْتَظِرُ الإِجَابَةَ… أَيْنَ تَقِفُ المُؤَسَّسَاتُ المَعْنِيَّةُ؟

لا يمكن الحديث عن تطوير الزراعة دون التوقف أمام مسؤولية الجهات المعنية بهذا القطاع الحيوي.

فإذا كانت مراكز البحوث الزراعية تنتج التقاوي المعتمدة ذات الجودة العالية، فلماذا لا تصل هذه التقاوي إلى جميع المزارعين عبر منظومة فعالة تضمن حصولهم عليها بسهولة وبأسعار مناسبة؟

إن انتشار التقاوي غير المعتمدة أو مجهولة المصدر يمثل خطرًا حقيقيًا على الإنتاج الزراعي، حيث يكتشف المزارع حجم الخسارة بعد فوات الأوان، عندما يحين موعد الحصاد.

كما يبرز تساؤل مهم حول دور الإرشاد الزراعي في توعية المزارعين بطرق اختيار التقاوي المعتمدة، ونشر المعلومات الحديثة المتعلقة بعمليات الزراعة والتسميد ومكافحة الآفات.

وفي الوقت ذاته، تظل الحاجة ملحة إلى دور أكثر فاعلية في مجال التسويق الزراعي وفتح أسواق جديدة للمنتجات المصرية في الدول العربية والأوروبية، بما يضمن استيعاب الإنتاج الزراعي وتحقيق عائد اقتصادي عادل للمزارعين.

الدَّعْمُ الزِّرَاعِيُّ… أَعْبَاءٌ تَتَزَايَدُ وَمُسَانَدَةٌ لَا تَكْفِي

رغم ما تقدمه الدولة من دعم لبعض مستلزمات الإنتاج، وعلى رأسها الأسمدة، فإن كثيرًا من المزارعين يرون أن هذا الدعم لا يزال أقل من احتياجاتهم الفعلية.

فالكميات المتاحة من الأسمدة المدعمة لا تكفي في أحيان كثيرة لتغطية احتياجات المحاصيل المختلفة، الأمر الذي يدفع الفلاح إلى اللجوء للسوق الحرة بأسعار مرتفعة تفوق قدرته المالية.

كما أن الفارق الكبير بين أسعار الأسمدة داخل الجمعيات الزراعية وخارجها يضع المزارع تحت ضغوط اقتصادية متزايدة، خاصة مع ارتفاع أسعار باقي مستلزمات الإنتاج من مبيدات وتقاوٍ وأجور عمالة ونفقات تشغيل.

وقد أدى هذا الوضع إلى زيادة الأعباء على المزارعين، وأصبح بعضهم عاجزًا عن توفير الاحتياجات السمادية الكافية لمحاصيله، وهو ما ينعكس في النهاية على حجم الإنتاج وجودته.

إِنْقَاذُ الفَلَّاحِ… اسْتِثْمَارٌ فِي أَمْنِ مِصْرَ الغِذَائِيِّ

إن القطاع الزراعي ليس مجرد نشاط اقتصادي، بل يمثل خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي للدولة. فمن الأرض يخرج الغذاء، وتنطلق عشرات الصناعات المرتبطة بالإنتاج الزراعي، ويتحقق جانب مهم من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

والفلَّاح هو حجر الأساس في هذه المنظومة، فهو الذي يزرع ويحصد ويواصل العمل رغم ما يواجهه من تحديات وصعوبات.

ومن هنا، فإن إنقاذ الفلاح المصري لم يعد مطلبًا فئويًا أو قضية تخص أبناء الريف وحدهم، بل أصبح ضرورة وطنية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالأمن الغذائي ومستقبل التنمية الزراعية في مصر.

وبينما تستمر الحقول في العطاء، يبقى السؤال مطروحًا: إلى متى يظل الفلاح المصري وحده يدفع ثمن ارتفاع التكاليف، واضطراب الأسواق، وضعف منظومة الدعم والتسويق؟ ومن يستجيب لهذه الصرخة القادمة من قلب الأرض قبل أن تتحول خسائر اليوم إلى أزمة تهدد مستقبل الزراعة المصرية بأكملها؟
بقلمي جمال القاضي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى