هاله المغاورى فيينا
في أجواء ثقافية راقية تعكس عمق الحضور العربي في أوروبا، احتضنت العاصمة النمساوية فيينا فعاليات المهرجان الثاني للشعر العربي، الذي امتد على مدار يومين متتاليين، جامعًا نخبة من الشعراء والمبدعين العرب في مساحة أدبية نابضة بالحياة، أكدت أن الكلمة ما زالت قادرة على بناء الجسور بين الثقافات.
وشهد المهرجان حضورًا دبلوماسيًا مميزًا، تقدمه سيادة المستشار المصري خالد أبو شنب، مدير المركز الثقافي والتعليمي المصري في فيينا، في تأكيد واضح على أهمية دعم الفعاليات الثقافية العربية في الخارج، وتعزيز دورها في مد جسور التواصل الحضاري.
جاء تنظيم المهرجان بالتعاون بين ملتقى التواصل العربي النمساوي برئاسة عدنان أبو ناصر، والبيت العربي النمساوي للثقافة والفنون برئاسة محمد عزام، إلى جانب منصة “Articulate”، حيث عكست هذه الشراكة تكامل الجهود الثقافية العربية في النمسا.
وتولى الشاعر مقبول الرفاعي رعاية المهرجان، حيث ألقى كلمة أكد فيها أهمية استمرار مثل هذه المبادرات الثقافية التي تعزز الهوية العربية وتفتح آفاق الحوار والإبداع في المهجر. كما شهدت الفعالية كلمات رسمية لكل من عدنان أبو ناصر ومحمد عزام، شددت على ضرورة دعم الحراك الثقافي العربي وتطويره.
وفي مشهد يعكس روح العمل الجماعي والتكامل، تولّى تقديم الأمسيات كل من إياد حسن وعلي الحسن ونوال زقوم، حيث توزعت بينهم مهام تقديم الشعراء والفقرات بشكل متوازن ومدروس. وقد تميز الثلاثة بأسلوب تقديم متقارب من حيث الاحترافية والحضور، إذ حرص كل منهم على تقديم الشعراء برؤية أدبية واعية، تجمع بين التعريف المختصر والدقيق، وإضاءة الجوانب الإبداعية في تجارب المشاركين.
كما اتسم أداؤهم بالانسجام الواضح، حيث تنقلوا بين الفقرات بسلاسة، وحافظوا على إيقاع متوازن للأمسيات، دون طغيان صوت على آخر، ما منح البرنامج تماسكًا وانسيابية. وقد انعكس هذا التناغم على تفاعل الجمهور، الذي وجد نفسه أمام تجربة منظمة تجمع بين الحضور الإعلامي الرصين والحس الثقافي العميق
شهد المهرجان مشاركة واسعة من الشعراء والشاعرات من خلفيات وتجارب متعددة، ما أضفى على الأمسيات تنوعًا غنيًا بين القصيدة الكلاسيكية والحديثة، وتناول موضوعات إنسانية ووطنية متنوعة، من بينها الهوية، والاغتراب، والحب، والسلام.
ولم تقتصر الفعاليات على الشعر فقط، بل تخللتها فقرات موسيقية مميزة، حيث قدّم الفنانون طارق وواكد الشوفي مقطوعات على آلة العود والرق ، أضفت بعدًا جماليًا وروحيًا على أجواء المهرجان.
حظي المهرجان برعاية مؤسسة Häuser zum Leben، التي ساهمت في دعم هذا الحدث الثقافي، في إطار تعزيز التعددية الثقافية والانفتاح على الفنون داخل المجتمع النمساوي.
تميّزت الفعالية بحضور جماهيري واسع من أبناء الجالية العربية، إلى جانب مهتمين بالثقافة العربية من مختلف الجنسيات، في مشهد يعكس أهمية هذه الفعاليات في ترسيخ الحوار الثقافي وتعزيز التفاهم بين الشعوب.
على مدار يومين، لم يكن المهرجان مجرد حدث شعري، بل منصة حقيقية للحوار الثقافي، ورسالة تؤكد أن الإبداع العربي حاضر بقوة في أوروبا، وأن فيينا باتت محطة رئيسية لاحتضان هذا الحراك.
ويؤكد نجاح النسخة الثانية من المهرجان أن مثل هذه المبادرات تمثل ضرورة ثقافية، تستحق الاستمرار والدعم، لما تحمله من قيمة إنسانية وفكرية تسهم في بناء جسور التواصل بين الثقافات المختلفة.


