فلسطين ليست إرهابًا.. والقوة لا تصنع الحق

بقلم: دكتور محمد عبد الرحيم
في أعقاب خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أجد من الضروري أن تكون هناك كلمة أخرى تُقال، ليس دفاعًا عن العنف، ولا تبريرًا لاستهداف المدنيين أيًّا كانت هويتهم، وإنما دفاعًا عن الحقيقة وحق الشعوب في أن تُسمع روايتها كاملة.
لقد تحدث نتنياهو طويلًا عن ذاكرته، وعن شقيقه، وعن الحروب التي خاضتها إسرائيل، وعن الانتصارات العسكرية التي يراها دليلًا على القوة والبقاء.
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح هو: هل امتلاك القوة العسكرية يمنح الإنسان الحق في احتكار الحقيقة والتاريخ؟
بالطبع لا.
الوفود التي غادرت القاعة.. أحرار في مواقفهم
الوفود التي غادرت القاعة أثناء الخطاب مارست حقها في التعبير عن موقفها السياسي والدبلوماسي.
قد نتفق مع موقفها أو نختلف، لكن وصفها بالجبن أو التشكيك في أخلاقها لا يغير شيئًا من حقيقة أن لكل دولة الحق في التعبير عن موقفها بالطريقة التي تراها مناسبة.
الأمم المتحدة ليست ساحة لفرض رواية واحدة، وإنما مساحة تستمع فيها شعوب العالم إلى روايات ومواقف متعددة.
فلسطين ليست إرهابًا
وهنا يجب أن يكون الكلام واضحًا:
فلسطين ليست إرهابًا.
فلسطين شعب وأرض وهوية وتاريخ وقضية سياسية وقانونية وإنسانية.
وقد منحت الجمعية العامة للأمم المتحدة فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو، وأكدت حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته.
ولا يجوز اختزال ملايين الفلسطينيين في أفعال جماعة أو أفراد.
وفي الوقت نفسه، فإن رفض استهداف المدنيين يجب أن يكون مبدأً ثابتًا لا يتغير بتغير هوية الضحية أو المعتدي.
والشهداء ليسوا مجرد أرقام
لكل شعب ذاكرته، ولكل أمة من ضحوا من أجل أرضها وأهلها.
والفلسطيني الذي يرى من مات دفاعًا عن أرضه وأهله وحقوقه شهيدًا، لا يستطيع خطاب سياسي أن يمحو مكانته من وجدان شعبه.
نحن نؤمن بأن حياة المدنيين جميعًا لها حرمة، وأن قتل الأبرياء لا يمكن أن يكون وسيلة لبناء سلام حقيقي.
لكن في الوقت نفسه، لا يمكن أن نطلب من شعب كامل أن يتخلى عن ذاكرته، أو أن ينسى ضحاياه، أو أن يقبل أن يُختزل وجوده كله في كلمة واحدة.
ومصر.. لم تكن يومًا بعيدة عن فلسطين
ومن يريد أن يتحدث عن القضية الفلسطينية، عليه أن يتذكر موقف مصر.
مصر لم تكن مجرد دولة تراقب المشهد من بعيد، وإنما كانت وما زالت طرفًا حاضرًا سياسيًا وإنسانيًا في القضية الفلسطينية.
من معبر رفح، إلى استقبال الجرحى والمرضى الفلسطينيين، إلى إدخال المساعدات الإنسانية، إلى جهود الوساطة من أجل وقف إطلاق النار، ظلت مصر تتحمل مسؤولية كبيرة تجاه الشعب الفلسطيني.
وقد أشادت الأمم المتحدة بالدور الإنساني والسياسي المصري، ووصفت معبر رفح ومطار العريش بأنهما شريانان أساسيان للمساعدات المنقذة للحياة، كما أشادت بجهود مصر في دعم الفلسطينيين واستقبال المصابين للعلاج.
وفي عام 2025، أكدت مصر أمام الأمم المتحدة التزامها بدعم الشعب الفلسطيني، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية عبر رفح، وتقديم العلاج للفلسطينيين داخل مصر.
هذه هي مصر التي يعرفها العالم العربي: مصر التي تتحرك من أجل وقف الدماء، وإدخال المساعدات، ودعم إقامة الدولة الفلسطينية، وليس مصر التي تبحث عن حرب جديدة.
والرئاسة الفلسطينية أعلنت طريق السلام
وهنا أيضًا يجب أن نكون منصفين.
الحديث عن فلسطين لا يعني الدعوة إلى الحرب.
الرئيس الفلسطيني محمود عباس أعلن مرارًا تمسك القيادة الفلسطينية بمسار السلام وحل الدولتين، وفي بيان له عام 2026 رحّب بجهود وقف إطلاق النار ودعا إلى تنفيذ خطوات تقود إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وفق المرجعيات الدولية.
إذن، إذا كان نتنياهو يريد أن يقدم نفسه للعالم باعتباره رجلًا يبحث عن الأمن، فعليه أن يدرك أن السلام الحقيقي لا يُبنى بالقوة وحدها، ولا بإلغاء حقوق شعب آخر.
السلام يحتاج إلى عدالة، والعدالة تحتاج إلى الاعتراف بحقوق الشعوب.
أما حكاية «سننتصر».. فلكل شعب حكايته
احترم أن تكون لدى نتنياهو ذكريات شخصية عن شقيقه، وأن يستحضر تلك الذكريات في خطاباته.
لكن للفلسطينيين أيضًا ذكرياتهم.
هناك أم فقدت ابنها.
وهناك طفل فقد والده.
وهناك أسرة فقدت منزلها.
وهناك إنسان عاش سنوات من الخوف والتهجير والحصار.
وهناك شعب بأكمله يحمل ذاكرة ممتدة عبر أجيال.
فإذا كان نتنياهو يقول: «سننتصر، ليس أمامنا خيار آخر»، فنحن نقول:
الانتصار الحقيقي ليس أن تملك القدرة على إيذاء خصمك، وإنما أن تصل إلى سلام يحفظ كرامة الجميع وحقوق الجميع.
ولا أحد فوق التاريخ
قد تستطيع الجيوش أن تحقق انتصارات عسكرية.
وقد يستطيع السياسي أن يعلن من فوق منصة دولية أنه انتصر.
لكن التاريخ لا يُكتب بخطاب واحد، ولا تحدده الطائرات والصواريخ وحدها.
التاريخ يكتبه الزمن، وتحفظه ذاكرة الشعوب، ويحاسب عليه القانون.
والقوة لا تمنح الاحتلال شرعية، ولا تجعل الظلم عدلًا، ولا تجعل شعبًا بأكمله بلا حقوق.
وقد خلصت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر عام 2024 إلى عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وربطت ذلك، من بين أمور أخرى، بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
رسالتنا الأخيرة
يا نتنياهو..
لسنا بحاجة إلى أن نقول إن أحدًا «لا شيء»، لأن الشعوب لا تُقاس بهذه الطريقة.
نحن نقول شيئًا أبسط وأعمق:
لا توجد قوة تستطيع أن تلغي شعبًا.
ولا يوجد خطاب يستطيع أن يمحو قضية.
ولا يمكن أن يتحول الاحتلال إلى حق لمجرد أن صاحبه يملك القوة.
فلسطين ليست إرهابًا.
والفلسطينيون ليسوا كتلة واحدة يمكن اختزالها في جماعة أو تنظيم.
والسلام ليس استسلامًا.
والاعتراف بحقوق الفلسطينيين ليس عداءً لإسرائيل.
ومصر ستظل، كما كانت دائمًا، حاضرة في دعم القضية الفلسطينية، وفي العمل من أجل وقف الدماء وإيصال المساعدات وفتح الطريق أمام السلام.
أما فلسطين، فستظل قضية شعب يريد أن يعيش بحرية وكرامة وأمن، ويبحث عن دولة مستقلة تعيش إلى جوار الآخرين في سلام.
فالسلام الذي لا يقوم على العدالة لا يكون سلامًا دائمًا، والقوة التي لا يحكمها القانون لا تصنع حقًا.
وفلسطين ستظل فلسطين… قضية شعب لا تختفي بخطاب، ولا تموت بتهديد، ولا تُمحى من التاريخ.



