مقال

عندما يتجاوز الإنسان حدوده وينهار المستقبل تحت أقدام العلم

بقلم/نشأت البسيوني

في زمن لم يعد فيه المنطق هو الحارس الأخير لبوابات المعرفة وفي عالم صار فيه السلاح أسبق من الحكمة يقف البشر أمام مرحلة خطيرة من تاريخهم مرحلة تختلط فيها الحقيقة بالخيال ويصبح فيها المستقبل ساحة تجارب لا تعرف الرحمة ولا تلتزم بأي حدود أخلاقية العالم كله يترقب اللحظة التي ينفلت فيها العلم من يد العلماء ويتحول من وسيلة للتطور إلى بوابة مفتوحة على جحيم لا

يفهم ولا يمكن السيطرة عليه فكرة إنشاء جندي يفوق الطبيعة لم تعد مجرد حكاية تروى في أفلام الخيال العلمي بل أصبحت نموذجا مرعبا لما قد تصل إليه الدول في سباق القوة لحماية نفسها من حرب عالمية جديدة أو لإثبات هيمنتها أمام خصومها ولم تعد القوة مجرد عدد دبابات ولا مدى الصواريخ بل تحولت إلى سؤال مخيف ماذا لو أصبح الإنسان نفسه هو السلاح وفي العالم الحديث لم يعد

الخوف من الرصاصة بقدر الخوف من اليد التي تطلقها ولم يعد القلق من القنبلة بقدر القلق من العقل الذي يقرر متى وكيف يضغط الزر لذلك ظهرت تلك الفكرة الخطيرة الإنسان المعدل الإنسان المصنع الإنسان الذي تم تجريده من ضعفه وتطويره ليصبح أقرب إلى آلة تحمل ملامح إنسان لكنها بلا خوف بلا ألم بلا تردد بلا ذاكرة تمنعه من تنفيذ ما تمت برمجته عليه ومع تصاعد هذا الجنون

العلمي بدأ العالم يسأل نفسه سؤالا لا يمكن تجاهله هل يمكن للإنسان أن يخلق قوة تتجاوزه ولا تنقلب ضده وهل يمكن لجيش من الكائنات المعدلة وراثيا أو المبرمجة جسديا أن يبقى تحت السيطرة وهل سيظل العلم خادما أم سيتحول يوما إلى سيد لا يطاع والنظر إلى تلك المشاهد المضيئة بالوهج الأحمر والظلال البشرية المحاصرة داخل أنابيب زجاجية ليس مجرد تأمل في

صورة بل تأمل في مستقبل قد يكون أقرب مما نتخيل عالم فيه يقف الجنود الطبيعيون على الهامش بينما تتقدم أمامهم نماذج بشرية تم صناعتها في مختبرات مغلقة لتحمل قوة لا تقهر وتنفذ أوامر لا تتردد فيها وتواجه موتا لا تخشاه لكن السؤال الأخطر الذي يختبئ خلف كل ذلك هو هل القوة من دون إنسانية تعتبر قوة أم كارثة وهل يمكن للانتصار أن يكون انتصارا إذا كان الثمن هو فقدان

الروح وهل سيظل البشر آمنين إذا صنعوا بأيديهم ما يمكنه في لحظة واحدة أن يلتهمهم وهذا العالم القادم لا يهدد الحدود السياسية فقط بل يهدد جوهر الإنسان ذاته يهدد مفهوم الحرية والقرار والمشاعر والضمير فحين يتحول الجسد إلى مشروع هندسي والعقل إلى برنامج قابل للتعديل والروح إلى عنصر غير ضروري عندها لن يبقى الإنسان إنسانا بل يصبح مجرد نسخة قابلة

للاستبدال وفي المستقبل الذي ينتظره العالم لن يكون الصراع بين دول بل بين تعريفين مختلفين للإنسان الإنسان الطبيعي الذي يحمل ضعفه وخوفه وحلمه وحبه والإنسان المصنوع الذي يحمل قوته فقط ولا يعرف أي قيمة أخرى ومع مرور الوقت ستصبح الأسئلة أكبر من الإجابات وسيجد العالم نفسه واقفا أمام مستقبل صنعه بيديه لكنه لم يعد قادرا على فهمه أو السيطرة عليه فحين

يتخلى الإنسان عن طبيعته ويتحول إلى كائن لا يعرف الرحمة ولا يشعر بالألم سيبدأ ميزان القوة في الانهيار وسيتحول الخوف من العدو إلى خوف من السلاح الذي اخترعه البشر بأنفسهم وعندها فقط سيدرك العالم أن القوة ليست في الجسد المعدل ولا في العقل المبرمج بل في الإنسان الحقيقي الذي يحمل داخله ما لا يمكن لأي مختبر أن يصنعه الرحمة الوعي والضمير وكلما تعمق البشر في هذه

المنطقة المظلمة ازداد إدراكهم أن العالم لا ينهار بضربة قنبلة بل ينهار عندما يفقد الإنسان صفاته عندما يتحول القلب إلى شيء يمكن استبداله والذاكرة إلى ملف يمكن حذفه والوجدان إلى برنامج يمكن إعادة تشغيله عندها يصبح الخطر الحقيقي ليس في الحروب ولا الأسلحة بل في فكرة أن الإنسان نفسه أصبح مشروعا قابلا للتعديل والتشكيل والشراء والبيع وأن الحدود التي كانت تحمي

معنى الحياة تم تجاوزها بجرأة لم يعرفها التاريخ من قبل ومع استمرار هذا السباق المحموم سيكتشف العالم أن القوة التي يبحث عنها لن تمنحه الأمان بل ستفتح أبواب خوف جديد خوف من شيء يشبه الإنسان لكنه لا ينتمي إليه شيء يتحرك بلا تردد ويقاتل بلا رحمة ويأتمر بأوامر بلا نقاش وعندها لن تكون المعركة بين دول بل بين الإنسان الطبيعي وظل الإنسان الذي صنعه العلم وبين الروح

التي خلقها الله والبديل البارد الذي صنعته المختبرات وبين الحياة التي عرفها البشر منذ بداية الزمن والحياة التي يريد البعض إعادة تعريفها من جديد

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *