مقال

عندما تعاشر الناس.. تعرف حقيقتهم وتنكشف الأقنعة


بقلم الإعلامية ميرفت شوقي صالح

ليست كل الوجوه التي تقابلها صادقة وليست كل الابتسامات دليلًا على المحبة فهناك أناسٌ لا تعرف حقيقتهم إلا عندما تجمعك بهم الأيام وتكشف لك المواقف ما تخفيه القلوب خلف الكلمات والأقنعة.

العِشرة هي الاختبار الحقيقي للإنسان والمواقف هي التي تكشف معادن البشر!

عندما تعاشر الناس تكتشف أن الدنيا مليئة بألوان مختلفة من البشر؛ فمنهم صاحب القلب الحنين الذي يشعر بك من نظرة عينيك ويقف بجانبك دون أن تطلب منه ومنهم من يحبك بصدق ويفرح لفرحك ويحزن لحزنك ويتمنى لك الخير حتى لو لم يكن له عندك مصلحة.

وهناك من يعاشرك لأنه يحبك وهناك من يعاشرك لأنه ينتظر منك منفعة فإذا انتهت مصلحته انتهت معها المحبة واختفى الود وكأنك لم تكن يومًا في حياته

وهناك أبو اللسان الطويل الذي يتفنن في الكلام ويجيد التقليل من غيره ويظن أن الرجولة صوت مرتفع وكلمات جارحة ولا يعلم أن الرجولة أخلاق ومواقف واحترام وأن الكلمة الطيبة لا يقولها إلا صاحب أصل.

وفي المقابل تجد أبو الرجولة والمواقف الرجل الذي لا يتغير مهما تغيرت الظروف ولا يبيع عشرة السنين من أجل مصلحة عابرة، ولا يتركك في وقت الضيق، ولا يسمح لأحد أن يقلل منك وأنت غائب بل يكون سندًا لك في غيابك قبل حضورك.

وهناك من يقف بجانبك عندما تضيق بك الدنيا، ويشد على يدك حين يتخلى عنك الجميع وهناك من ينكس فيك ويكون أول من يطعن في ظهرك رغم أنك كنت تظنه أقرب الناس إليك!

كم من إنسان أعطيته من قلبك فطمع في المزيد! وكم من شخص وقفت بجانبه في أزمته، فلما وقعت أنت في أزمتك لم تجد منه حتى سؤالًا يطمئن قلبك! وكم من شخص ظننته أخًا وسندًا فإذا به أول من يتمنى سقوطك

لكن المواقف لا تكذب والعِشرة لا تجامل والأيام كفيلة بأن تكشف لك من يحبك لشخصك ومن يحب ما في يدك، ومن يتمنى لك الخير ومن ينتظر لحظة ضعفك حتى يشمت فيك.

لا تحزن إذا اكتشفت حقيقة أحد بعد سنوات من العِشرة بل احمد الله أنك عرفته قبل أن تمنحه المزيد من عمرك وثقتك وراحة بالك. فليس كل من خرج من حياتك خسارة وليس كل من بقي فيها مكسبًا.

تعلم أن تعطي كل إنسان قدره، فلا تمنح الثقة بلا حساب ولا تفتح قلبك لكل عابر، ولا تجعل طيبة قلبك بابًا يستغله أصحاب المصالح. كن طيبًا، لكن لا تكن ساذجًا وسامح إن استطعت لكن لا تكرر الخطأ نفسه مع من أثبت لك أنه لا يقدّر العِشرة.

فالناس معادن منهم الأصيل الذي لا تغيره الظروف ومنهم من تكشفه أول تجربة ومنهم من يظهر وقت المصلحة ويختفي وقت الشدة.

وفي النهاية تذكر دائمًا أن قيمة الإنسان ليست في كثرة من حوله بل في صدق من يبقون بجانبه عندما تتغير الأحوال.

سلامٌ على أصحاب القلوب النقية وأصحاب المواقف الأصيلة، الذين لا تتغير محبتهم بتغير المصالح ولا ينسون العِشرة مهما طال الزمن.

وسلامٌ على كل إنسان لم يبع أصله ولم يتخلَّ عن مبادئه ولم يجعل من طيبة الآخرين فرصة للاستغلال.

فالدنيا لا تحتاج إلى كثرة الوجوه حولنا بل تحتاج إلى قلوب صادقة وضمائر حية ورجال تعرف معنى الرجولة وأناس إذا قالوا صدقوا وإذا وعدوا أوفوا وإذا عاشروا حفظوا العِشرة.

فالعِشرة ليست عدد السنين التي قضيتها مع إنسان بل هي المواقف التي أثبت فيها أنه يستحق أن يبقى في حياتك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *