خلف أبواب البيوت المغلقة.. حكايات إنسانية تنتظر دعوة صادقة ويدًا تمتد بالرحمة

بقلم: عبدالله هيكل
عضو اتحاد الكتاب – رئيس مجلس أمناء مؤسسة عبدالله هيكل لجبر الخواطر الخيرية
هناك بيوت لا نسمع منها صوتًا، لكنها تمتلئ بالوجع.. وقلوب لا تشكو لأحد، لكنها ترفع شكواها إلى الله كل ليلة.. وأناس يعيشون بيننا، نراهم في الشوارع والأسواق ووسائل المواصلات، ولا نعلم أن وراء ابتساماتهم حكايات من الألم والعجز والاحتياج.
ليست كل البيوت التي تُغلق أبوابها تنام مطمئنة، وليست كل الوجوه التي تبتسم تعيش سعيدة، فهناك من يضحك أمام الناس، ثم يبكي حين يختلي بنفسه، حتى لا يرى أحد انكساره.
هناك أرملة رحل عنها زوجها، فوجدت نفسها فجأة تحمل مسؤولية بيت كامل، وأطفال ينتظرون منها الطعام والحنان والأمان، بينما هي نفسها تحتاج إلى من يطمئن قلبها ويخفف عنها قسوة الأيام.
وهناك أب يعمل باليومية، يخرج من بيته مع أول ضوء، لا يعلم هل سيعود آخر النهار برزق يكفي أسرته أم سيعود خالي اليدين، ليواجه نظرات أطفاله وأسئلتهم التي لا يملك لها إجابة.
وهناك مريض يتألم في صمت، لا يطلب من الدنيا سوى ثمن دواء يخفف وجعه، أو تكلفة علاج يعيد إليه بعضًا من عافيته، لكنه يقف عاجزًا أمام أرقام أصبحت أكبر من قدرته.
وهناك يتيم فقد السند، وطالب علم يخشى أن تتوقف رحلته التعليمية بسبب مصروفات دراسية قد يراها البعض مبلغًا بسيطًا، لكنها بالنسبة إليه حاجز يفصل بينه وبين حلم طال انتظاره.
يا سادة.. الفقر ليس دائمًا أن يمد الإنسان يده طالبًا المساعدة، فقد يكون الفقر الحقيقي مختبئًا خلف باب مغلق، يحرسه التعفف، وتصونه عزة النفس.
ومن خلال رسالتنا الإنسانية في مؤسسة عبدالله هيكل لجبر الخواطر الخيرية، ندرك أن وراء كل حالة إنسانية حكاية تستحق أن تُسمع، ووراء كل احتياج إنسانًا له كرامته ومشاعره وأحلامه.
إن العمل الخيري ليس مجرد جمع تبرعات أو تقديم مساعدات مالية، بل هو رسالة رحمة ومسؤولية أخلاقية واجتماعية، تبدأ من احترام الإنسان، والحفاظ على كرامته، والبحث عن احتياجاته الحقيقية، ثم الوقوف إلى جواره حتى يتجاوز محنته.
ولعل أجمل ما في جبر الخواطر أنه لا يحتاج دائمًا إلى مال كثير؛ فقد تجبر خاطر إنسان بكلمة طيبة، أو دعوة صادقة، أو مساعدة بسيطة، أو مشاركة قصته مع من يستطيع مد يد العون إليه.
قال رسول الله ﷺ: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».
ما أعظم أن تكون سببًا في فرحة أم عجزت عن شراء احتياجات أطفالها، أو في شفاء مريض أنهكه الألم، أو في سداد إيجار أسرة تخشى أن تفقد سقفها، أو في استكمال تعليم يتيم يحلم بمستقبل أفضل.
وقد تكون المساعدة التي تراها صغيرة هي عند غيرك نجاة من أزمة كبيرة، وقد يكون دعاؤك الصادق سببًا في فتح باب من أبواب الفرج.
ولكن علينا أن نتذكر أن أصحاب الحالات الإنسانية ليسوا مادة لإثارة الشفقة، ولا صورًا تُنشر بحثًا عن التعاطف؛ إنهم بشر لهم حق علينا في الرحمة والستر والاحترام.
ولذلك فإن المسؤولية الحقيقية للعمل الخيري تقتضي التحقق من الحالات، ودراسة احتياجاتها، وتوجيه المساعدات إلى مستحقيها، مع الحفاظ على خصوصية الأسر وكرامتها، والحرص على الشفافية في توثيق ما يصل من دعم وما يتحقق من إنجاز.
إن مجتمعًا يتكاتف أفراده في أوقات الشدة هو مجتمع لا يستطيع اليأس أن يهزمه بسهولة.
ولا ينبغي أن ننتظر حتى تتحول معاناة الناس إلى مأساة حتى نتحرك؛ فكم من أسرة كان يمكن إنقاذها بمساعدة مبكرة، وكم من مريض كان يمكن تخفيف ألمه قبل أن تتفاقم معاناته، وكم من طالب كان يمكن الحفاظ على مستقبله لو وجد من يقف بجواره في الوقت المناسب.
رسالتي اليوم إلى كل صاحب قلب رحيم:
إذا لم تستطع أن تتبرع، فلا تحرم المحتاج من دعائك.
وإذا لم تستطع أن تساعد بنفسك، فكن جسرًا يصل بين المحتاج وأهل الخير.
وإذا رأيت إنسانًا مكسور الخاطر، فلا تزد وجعه بكلمة، بل حاول أن تترك في قلبه أثرًا جميلًا.
وإذا فتح الله عليك من فضله، فتذكر أن هناك من ينتظرون بعد الله سببًا للفرج، وربما جعلك الله أنت هذا السبب.
وأقول لكل أرملة تكافح، ولكل يتيم يفتقد السند، ولكل مريض ينتظر الشفاء، ولكل أب أثقلته المسؤوليات، ولكل أم تخفي دموعها عن أطفالها:
لستم وحدكم.. فالدنيا ما زال فيها أهل خير، وما زالت الرحمة تسكن قلوبًا كثيرة، وما زال هناك من يؤمنون بأن جبر الخواطر عبادة، وأن الوقوف بجوار المحتاج شرف لا يقدره إلا أصحاب القلوب الرحيمة.
وأخيرًا..
اللهم اجبر خواطر كل من ضاقت به الحياة، واشفِ كل مريض، وارحم كل ضعيف، واقضِ دين كل مدين، وارزق كل محتاج، وآمِن خوف كل أسرة، وامسح دموع كل أم، وعوّض كل يتيم، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر.
فالحياة لا تُقاس بما نملكه لأنفسنا، وإنما بما نتركه من رحمة في قلوب الآخرين.
وتذكروا دائمًا: قد تنسى يومًا ما أعطيته لإنسان، لكنه ربما يظل طوال عمره يدعو لك لأنك وقفت بجواره حين تخلى عنه الجميع.
عبدالله هيكل
عضو اتحاد الكتاب
رئيس مجلس أمناء مؤسسة عبدالله هيكل لجبر الخواطر الخيرية
«جبر الخواطر ليس مجرد عمل خيري بل رسالة حياة»



