مقال

حوار مع النفس


بقلم/نشأت البسيوني

حين نحب بصدق ثم نتعلم كيف نعيد أنفسنا إلى الحياة

في بعض اللحظات لا يحتاج الإنسان إلى من يتحدث إليه بقدر ما يحتاج إلى أن يجلس مع نفسه قليلا بعيدا عن ضجيج العالم وعن كل ما اعتاد أن يشغله عن الحقيقة. يحتاج إلى أن يسأل قلبه أسئلة ظل طويلا يؤجلها خوفا من الإجابات التي قد تأتي موجعة ومن حقائق يعرفها في أعماقه لكنه كان يفضل ألا يراها.

جلست مع نفسي ذات ليلة وبدأت حوارا لم أكن أعرف كيف سينتهي.

سألتها ما الذي حدث لك؟ أين ذهب ذلك الإنسان الذي كان يفرح برسالة ويبتسم لصوت ويشعر أن الدنيا أصبحت أكثر رحابة لمجرد أن حبيبته بخير؟ أين ذهب الذي كان يمنحها من وقته واهتمامه ومشاعره ما يكفي ليجعلها تشعر أنها ليست امرأة عابرة في حياته بل كانت الحياة نفسها؟

صمت قليلا ثم أجبت نفسي. لم يتغير الحب فجأة ولم تنطفئ المشاعر في ليلة واحدة لكنني بدأت أرى أشياء لم أكن أريد أن أراها. بدأت أكتشف أنني في أوقات كثيرة كنت أعود من يومي بكل ما أحمله من تعب لأجد نفسي أمام تعب آخر لا يشبهه. تعب الانتظار وتعب التفكير وتعب محاولة فهم المسافات التي لا تقال بالكلمات لكنها تشعر في أبسط التفاصيل.

كنت أظن أن الحب يجعل الإنسان أكثر اطمئنانا فإذا بي أكتشف أنني أحيانا أبحث عن الطمأنينة داخل العلاقة نفسها فلا أجد منها ما يكفي لأسكت كل هذا القلق.

لم تكن المشكلة أنني أحببت بل أنني جعلت من هذا الحب مساحة أكبر من اللازم حتى كادت تضيق بي الحياة خارجها. صارت أخبارها جزءا من يومي ووجودها جزءا من راحتي واهتمامها شيئا أستند إليه دون أن أشعر. كنت أضعها في مقدمة كل شيء وأؤجل نفسي إلى وقت لاحق وكأن قلبي لا يستحق أن يطمئن إلا إذا اطمأن عليها أولا.

لكنني مع الوقت بدأت أتعلم درسا قاسيا. ليس كل من نمنحه مكانة استثنائية يستطيع أن يمنحنا المكانة نفسها وليس كل من نضعه في قلب العالم يرانا بالضرورة في مركز عالمه.

وأحيانا يتسلل إلى القلب شعور أشد إيلاما من الغياب. شعور بأنك قد لا تكون في حياة من تحب إلا مساحة مؤقتة أو حديثا يستأنس به حين يطول الفراغ أو وجها تلجأ إليه النفس حين تحتاج إلى من يخفف عنها ثقل الوقت ثم تعود الحياة إلى مسارها الطبيعي بمجرد أن تنتهي الحاجة إلى الحديث.

لا أقول إن هذا هو واقعها بالضرورة ولا أدعي أنني أعرف ما يدور في قلبها لكنني أعترف بأن هذا الإحساس زارني كثيرا وأنه ترك داخلي أسئلة لم أعد أستطيع تجاهلها.

هل أنا حاضر في حياتها كما هي حاضرة في حياتي؟ هل أحتل في قلبها مساحة تشبه المساحة التي احتلتها في قلبي؟ أم أنني بالغت في تقدير مكاني ومنحت بعض اللحظات معاني أكبر مما تحتمل؟

كانت أسئلة موجعة لكن الأكثر وجعا أنني أدركت أنني مهما حاولت العثور على إجاباتها لا أستطيع أن أعيش بقية عمري أسيرا لها.

وهنا في منتصف هذا الحوار الصامت قلت لنفسي كفى.

ليس كفى حبا ولا كفى مشاعر ولا كفى أمنيات طيبة لها وإنما كفى أن أجعل حياتي كلها تدور حول شخص واحد. كفى أن أترك يومي رهينة لاهتمام قد يأتي وقد لا يأتي وأن أعلق راحتي على كلمة وسعادتي على سؤال واطمئناني على مبادرة أنتظرها طويلا.

سأظل أحبها لكنني سأحاول أن أعيدها إلى مكانها الطبيعي في حياتي بعد أن وضعتها في مكان لم يكن ينبغي أن يشغله أحد وحده.

سأحبها دون أن أنسى نفسي وسأهتم بها دون أن أهمل حياتي وسأفرح بوجودها دون أن أجعل غيابها قادرا على إفساد كل شيء جميل حولي. سأمنحها من قلبي ما أستطيع لكنني لن أستنزف ما تبقى مني في محاولة مستمرة للحصول على شعور بالأمان لا أستطيع أن أصنعه وحدي.

لن أتعمد الغياب كي أختبر افتقادها ولن أفتعل البرود لأرى إن كانت ستقترب ولن أحول مشاعري إلى لعبة من التجاهل والانتظار. لست في حاجة إلى أن أؤلمها حتى أشعر أنني استعدت نفسي ولا إلى أن أثبت لها أنني قادر على الرحيل حتى أعرف قيمتي.

كل ما أريده هو أن أهدأ.

أن أتوقف عن مراقبة التفاصيل الصغيرة بحثا عن دليل يطمئنني وأن أكف عن تفسير كل صمت وتحليل كل كلمة وانتظار كل مبادرة وكأنها حكم نهائي على مكانتي. أريد أن أعيش يومي دون أن أترك جزءا كبيرا من روحي معلقا بما ستفعله أو لن تفعله.

أريد أن تعود الأشياء إلى أحجامها الطبيعية. أن تكون حبيبتي شخصا عزيزا في حياتي لا الحياة كلها. أن يكون وجودها جميلا لا شرطا لوجود الجمال. وأن يكون حبها إضافة إلى أيامي لا السبب الوحيد الذي يجعلني قادرا على احتمالها.

فقد فهمت أخيرا أن الإنسان لا يخسر نفسه دفعة واحدة بل يخسرها بالتدريج. حين يتنازل عن راحته مرة ويؤجل احتياجاته مرة أخرى ويبرر ما يؤلمه مرة بعد مرة حتى يستيقظ ذات يوم ليكتشف أنه أصبح غريبا عن نفسه وأنه يعرف تفاصيل من يحب أكثر مما يعرف ما الذي يسعده هو.

ومع ذلك لا أحمل لها كراهية ولا أريد أن أحملها مسؤولية كل ما شعرت به. ربما كانت ترى الأمور بصورة مختلفة وربما كان ما أحتاج إليه أكبر مما تستطيع منحه وربما لم تكن المسألة إهمالا بقدر ما كانت اختلافا في طريقة الحب والتعبير عنه.

لكنني تعلمت أن تفهم الآخرين لا يعني أن أستمر في إنهاك نفسي وأن التماس الأعذار لمن أحب لا ينبغي أن يتحول إلى عذر دائم أتجاهل به ألمي.

أنا لا أريد منها أن تكون شخصا آخر ولا أن تمنحني مشاعر لا تملكها ولا أن تعيش وفق الصورة التي رسمتها لها في خيالي. كل ما أريده أن أكون صادقا مع نفسي وأن أعترف بأنني أحتاج إلى علاقة لا تجعلني أشعر طوال الوقت بأنني أبذل أكثر مما أحتمل أو أنتظر أكثر مما ينبغي.

ثم سألتني نفسي وماذا عنها؟ هل ستتوقف عن تمني الخير لها لمجرد أنك قررت أن تتغير؟

ابتسمت بحزن وقلت كيف أتمنى لها السوء وهي التي تمنيت يوما أن تكون أيامها كلها جميلة؟ كيف أدعو عليها بالحزن وأنا الذي كنت أفرح من قلبي حين أعرف أنها بخير؟ وكيف أتحول إلى شخص قاس لمجرد أنني تعبت؟

لا لن أتمنى لها إلا الخير. أتمنى أن تضحك من قلبها وأن تنجح في كل ما تسعى إليه وأن تجد في أيامها من الطمأنينة ما يجعلها مطمئنة الروح وأن تبتعد عنها الأوجاع التي لا يستحقها أحد.

سأظل أتمنى لها السعادة حتى لو لم أكن أنا مصدرها وحتى لو أخذتها الحياة إلى طريق لا أكون جزءا منه. فالمحبة الصادقة لا ينبغي أن تتحول إلى دعاء بالأذى حين لا تسير الأمور كما تمنيناها.

لكن تمني الخير لها شيء والاستمرار في استنزاف نفسي شيء آخر.

وهذا هو القرار الذي اتخذته بيني وبين نفسي. قرار لا يحتاج إلى إعلان ولا إلى مشهد وداع ولا إلى كلمات كبيرة أقولها ثم أتراجع عنها. قرار بأنني لن أعود كما كنت في اندفاعي ولن أجعلها وحدها محور اهتمامي ولن أضع حياتي كلها في انتظار ما قد تمنحني إياه من اهتمام أو قرب.

لن أقلل من شأنها لكنني سأكف عن التقليل من شأني أمامها. لن أمنع قلبي من الحب لكنني سأعلمه ألا ينسى صاحبه. لن أغلق بابي في وجهها لكنني لن أبقى واقفا عنده طوال الوقت أترقب الخطوات وأعد لحظات الاقتراب والابتعاد.

ربما لن تلاحظ التغيير في البداية وربما ستظن أنني أصبحت أقل اهتماما أو أن شيئا ما قد تبدل في مشاعري. والحقيقة أن شيئا قد تبدل بالفعل. لم يتبدل كل ما أشعر به نحوها بل تبدلت نظرتي إلى نفسي وإلى الحياة التي أريد أن أعيشها.

لقد تعبت من أن أكون حاضرا بكل هذا القدر في داخلي ثم أظل أتساءل عن مقدار حضوري في حياة من أحب.

تعبت من أن أبدو بخير بينما أستنزف نفسي في أسئلة لا تنتهي ومن أن أحاول أن أكون كل شيء لشخص بينما أحتاج أنا أيضا إلى الشعور بأنني لست وحدي من يحمل العلاقة على كتفيه.

ولذلك سأختار هذه المرة أن أكون أهدأ لا أقسى وأقل اندفاعا لا أقل وفاء وأكثر اهتماما بنفسي لا أقل احتراما لها.

سأترك للحياة أن تكشف لي حقيقة الأشياء دون أن أرهق قلبي في استباقها. سأمنح العلاقة مساحتها الطبيعية وأترك للأفعال أن تقول ما تعجز الكلمات عن قوله دون أن أطالب نفسي كل يوم بإيجاد تفسير لكل شيء.

فإن وجدت بيننا ما يطمئن القلب فسيكون ذلك جميلا. وإن اكتشفت أن ما أتمناه أكبر مما يمكن أن يكون فسأتعلم أن أتقبل الحقيقة دون أن أكرهها ودون أن أكره نفسي لأنني أحببت بصدق.

وفي نهاية حواري مع نفسي أدركت أن بعض القرارات لا نتخذها لأن الحب انتهى بل لأننا لم نعد نحتمل الطريقة التي نعيش بها هذا الحب.

قد يظل شخص ما عزيزا علينا وقد نظل نحمل له من الدعوات الطيبة ما لا يعرفه لكننا نتعلم بصمت ألا نمنحه مفاتيح سعادتنا كلها.

فليس كل ابتعاد هروبا وليس كل هدوء فتورا وليس كل تراجع عن الاندفاع إعلانا عن نهاية المشاعر. أحيانا يكون كل ما في الأمر أن القلب تعب من الركض وأن الروح تريد أن تستريح وأن الإنسان قرر أخيرا أن يعامل نفسه بالرحمة نفسها التي طالما عامل بها من أحب.

أنا لا أريد أن أخسرها لكنني لم أعد مستعدا لأن أخسر نفسي من أجل الاحتفاظ بها.

سأظل أتمنى لها الخير وأفرح لكل ما يسعدها لكنني سأتعلم أن أعيش حياتي دون أن أجعل سعادتي معلقة بحضورها وحده. سأمنحها مكانة تليق بما أشعر به لكنني لن أسمح بعد اليوم أن تصبح هذه المكانة أكبر من قدرتي على احتمال نفسي حين تغيب.

وربما كان هذا هو النضج الذي لا يأتي إلا بعد وجع طويل. أن تحب دون أن تتملك وأن تتمنى دون أن تتعلق بكل ما تتمنى وأن تترك للآخرين حريتهم بينما تستعيد أنت حريتك في أن تعيش.

أما أنا فقد أنهيت حواري مع نفسي بقرار هادئ لا يحمل تهديدا لأحد ولا ينتظر تصفيقا من أحد.

قرار بأن أحب لكن بعقل أكثر وعيا وبقلب أكثر اتزانا وبروح تعرف أخيرا أن لها حقا في الراحة.

فأنا أتمنى لها حياة جميلة من كل قلبي لكنني قررت ألا أجعل حياتي كلها متوقفة على مكانتي في حياتها.

وربما لن يتغير شيء في نظرها وربما لن تعرف أبدا حجم المعركة التي خضتها وحدي كي أصل إلى هذه النقطة.

لكن يكفيني أنني بعد كل هذا التعب بدأت أعود إلى نفسي.

وأحيانا تكون العودة إلى النفس هي أجمل نهاية لحكاية لم ينته الحب فيها لكنه تعلم أخيرا ألا يكون على حساب صاحبه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى