بقلم / محمد جابر
الممر مئة وثمانية عشر
عبرت الي الجهه المقابله للممر لمشاهده ما يحدث عن بعد والتقاط الصورة الكامله قدر المستطاع من هول كثرة الادعاءات هنا يلفت الانتباه دائما نوع من الشخصيات التي لا تصنع فارق بوجودها بقدر ما تتغذى على الحضور ذاته
شخصيات تبدو للوهلة الأولى قريبة من دوائر الضوء لكنها في الحقيقة تعيش على هامش الممر أكثر مما تعيش في قلبه. هي شخصيات انتهازية بامتياز تتنقل بين المواقع والمواقف كما يتنقل المتسول بين الأبواب تقتات من كل الموائد بلا ولاء ثابت ولا موقف واضح تحمل وعاء بلا قعر فلا تشبع من الاقتراب ولا تتوقف عن البحث عن صورة جديدة أو لقب إضافي.
هذه الشخصيات لا تتحرك بدافع فكرة حقيقية أو مشروع واضح بل بدافع البقاء في دائرة النفوذ مهما كان الثمن. تراها تلهث خلف النواب وأصحاب المناصب وكأنها ظل يتبع صاحبه لا لتشارك في صنع القرار بل لتصنع لنفسها حضورا يبدو أكبر من حجمها الحقيقي. صورة هنا مصافحة هناك وعبارات رنانة تلقى في الهواء لتصنع هالة زائفة لشخصية لا تحمل في حقيقتها سوى هري الكلمات.
فاللغة عند هذه النماذج ليست وسيلة تعبير بقدر ما هي أداة تضخيم للذات وانتفاخ خطابي وكلمات كبيرة تتردد بلا مضمون قيد الانفجار ومصطلحات ضخمة تستخدم كقوالب تحدث صخب بسبب فراغها. وحديث عن الرؤى وما تطالعة الجرائد أو ما تسمي هكذا حيث لا يقرئها الا صاحبها أضف إلي ذلك المبادرات والعمل العام بينما الواقع لا يتجاوز حدود الظهور في المناسبات والالتقاط الدائم للصور.
ولكي يكتمل المشهد تحرص هذه الشخصية على امتلاك ما يمكن تسميته عدة الشغل خليط من الرموز والمظاهر التي توحي بالتقوى أو الوجاهة الاجتماعية مسبحة وجلباب أو برنيطة بجوار الكاب مع القدرة على إلقاء بعض القطع الطرية من اللحم لإلهاء كلاب وقطط الممر السمان للفت الإنتباه إلى شبكة المصالح التي تحيط بها وتستفيد من وجودها.
وحول هذه الشخصية يلتف عادة أصحاب المصالح الخاصة ممن وجدوا فيها بوابة سهلة لتحقيق منافعهم عبر لافتات جمعيات تتاجر بعوز الناس ومؤسسات لا تعرف ما الغرض منها والكيانات الشكلية والصالونات الخاصة ونوادي الخيال ومبادرات الوهم وجرائد بئر السلم كيانات تبدو في ظاهرها عمل مجتمعي بينما تتحول في حقيقتها إلى واجهات لتبادل المصالح وصناعة الألقاب. فالممر هنا لا يخلو من شبكة علاقات هشة يتغذى معظمها على الماضي وعلى لقب يتصدره لفظ سابقا في معظم الأحيان
وفي قلب هذه الظاهرة تولد ما يمكن تسميته صناعة الوجاهة الكاذبة وهي عملية يتم فيها تضخيم صورة شخص ما ليبدو فاعل في المشهد رغم محدودية أثره الحقيقي. فالصورة المتكررة بجوار أصحاب القرار قد تصنع انطباع بالقوة والظهور المستمر في المناسبات قد يوحي بالحضور واللغة المتضخمة قد تعطي وهم العمق بينما الحقيقة تجمعات تم شراؤها من سوق النخاسه
وقد ساهمت السوشيال ميديا في تسريع صناعة الوهم إذ أصبح من السهل أن يبدو الشخص مؤثر بمجرد كثرة ظهوره وتكرار اسمه حتى وإن كان حضوره في الواقع لا يتجاوز حدود الملتصق مسببا التسلخات
غير أن الدور الأخطر لمثل هذه الشخصيات لا يظهر في الأيام العادية بقدر ما يتجلى في أوقات الأزمات خصوصًا الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. ففي تلك اللحظات تستدعى هذه النماذج لتلعب دور محدد داخل الممر حيث تتحول إلى ما يشبه العصفورة التي يشار إليها لتشغل العيون وتلفت الانتباه بعيدا عن الاتجاه الحقيقي.
فعند اشتداد الضيق وتزايد الأسئلة الحقيقية تظهر فجأة لتملأ الفضاء بزقزقة جانبية قضايا صغيرة صور متكررة وتصريحات بلا مضمون. فيتحول النقاش من جوهر المشكلة إلى هوامشها ومن السؤال الحقيقي إلى جدل مصطنع لا يغير في الواقع.
واللافت وبشدة في هذا الممر أن العصفورة نفسها لا تكون بريئة من اللعبة فهي التي تحمل تفاصيل الممر إلى خارجه وتنقل ما يدور فيه إلى دوائر أخرى ثم تعود بعد ذلك إلى الممر تارة أخرى متزينة بالأدوار والقصص. وهكذا تبقى في موقعها المفضل قريبة من الضوء بعيدة عن المسؤولية.
لكن المتتبع لتاريخ الممرات يعي جيدا أن هذه الأدوار لا تعيش طويلا فالوجاهة المصطنعة قد تصنع بروبجندا لكنها لا تصنع أثر ملموس والصورة قد تخدع العين لضعيف البصيرة لكنها لا تخدع الزمن. ومع مرور الوقت ينكشف الفارق بين من صنع مشروع ومن اكتفى بالظهور وبين من امتلك موقف واضح ولم يحد عنه ومن اكتفى بترديد الكلمات.
وفي النهاية يظل الممر شاهدا على كل العابرين حيث تمر فيه الوجوه وتتواري وتعلو فيه الأصوات و تخفت لكن ما يبقى ليس زقزقة العصافير ولا خيالات الوجاهة المصطنعة بل ذلك الشيء البسيط الذي ندر وجوده في زمن الصوصوه الموقف الصادق سيد المواقف


