بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن في غزوة بدر قد برزت صفحات من البطولة والتضحية، حيث كان الصحابة يتسابقون إلى ساحات الجهاد، ويتنافسون على القتال في سبيل الله ونيل الشهادة، بل كان لصغار الصحابة نصيب من هذه البطولات، فهذا عمير بن أبي وقاص أخو سعد، حضر غزوة بدر وعمره ستة عشر عاما، وكان قبل المعركة يتخفى عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يراه فيردّه بسبب صغره، وسرعان ما اكتشف هذا البطل الصغير، فيؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه صغيرا رده عن المشاركة فى المعركة، فتولى وهو يبكى، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم بكاءه وإصراره أجازه، فدخل المعركة، فقاتل حتى قتل رضي الله عنهم أجمعين، فقيل هم عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه بالخد أجراه، وأسدغاب إذالاح الجهاد بهم هبواإلى الموت يستجدون لقياه فيا رب فابعث لنا من مثلهم نفرا يشيدون لنا مجدا أضعناه.
وهناك درس في نصر الله تعالى لأوليائه، حيث استجاب الله دعاء رسوله وأصحابه، ونصر حزبه، وأنجز وعده ، مع وجود الفارق في العدد والعدة، فقال تعالى ” ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة” ولقد أراد الله سبحانه أن يعرف المسلمون على مدى التاريخ أن النصر سنة من سنن الله، وهو سبحانه إنما ينصر من ينصره ، فليس النصر بالعدد والعدة فقط، وإنما هو بمقدار اتصال القلوب بقوة الله ” وما النصر إلا من عند الله” ومن دروس هذه الغزوة، أن رابطة الدين وعقيدة الولاء والبراء أعظم من كل العلاقات، والقرابات والأنساب، فها هو عبد الرحمن بن أبى بكر بعدما أسلم، يقول لأبيه أبي بكر رضي الله عنه لو رأيتني وأنا أعرض عنك فى بدر حتى لا أقتلك، فقال أبو بكر رضى الله عنه أما إنى لو رأيتك وقتئذ لقتلتك، ويقابل أبو عبيدة رضي الله عنه أباه فى المعركة فيقتله.
ويمر مصعب بن عمير بعد نهاية المعركة ورجل من الأنصار يأسر أخاه أبا عزيز، فيقول مصعب شدّ وثاقه فإن أمّه ذات مال، فيقول أخوه أهذه وصاتك بى؟ فيقول مصعب هو، أى الأنصارى هو أخى دونك، وإنها صور فريدة، تمثل التطبيق الواقعي لمبدأ الولاء والبراء، فالرابطة الحقيقة هي رابطة الدين والعقيدة، فلا نسب ولا صهر، ولا أهل ولا قرابة، ولا وطن ولا جنس ولا عصبة ولا قومية، حين تقف هذه الوشائج دون ما أراد الله، وإنما الحب والولاء لله ولرسوله وللمؤمنين أولئك حزب الله، ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هو الغالبون، وإنه من المعلوم أن غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة ، وكانت أول غزوة بين المسلمين وكفار قريش، وكان عدد الكفار فيها كبيرا، بينما كان عدد المسلمين فيها قليلا، ولكن الله سبحانه وتعالى أيد المسلمين، ونصرهم على عدوهم، في أول لقاء بين الإيمان والكفر.
ولقد أظهر المسلمون فى غزوة بدر مواقف خالدة، سطرها التاريخ بأحرف من نور، وكانت هذه المواقف تبين صدق إيمان هذه الفئة القليلة من المسلمين، وبذل أرواحهم في سبيل الله، فعندما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بنية قريش فى قتال المسلمين، استشار أصحابه، وأخبرهم بما بلغه من أمر قريش، فكانت هذه المواقف الخالدة من المهاجرين والأنصار، ثم نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأنصار ، ليعرف رأيهم ثم قال “أشيروا علي أيها الناس ” وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس، وكانوا حين بايعوه بالعقبة قالوا يا رسول الله إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذممنا، نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى أن عليها نصرته إلا بالمدينة، وأنه ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو بغير بلادهم، فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سعد بن معاذ.
“والله لكأنك يا رسول الله تريدنا” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أجل ” قال سعد بن معاذ فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به حق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ما تخلف منا واحد، وما نكره أن نلقى عدونا غدا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الكلمات، فسر بها، وطابت نفسه، ودعا لهم بالنصر على أعدائهم.


