مقال

جيش المسلمين يتحرك لملاقاة عدوهم


بقلم / محمـــد الدكـــروري
عندما تحرك جيش المسلمين، لملاقاة عدوهم، في غزوة بدر ونزل الرسول صلى الله عليه وسلم بالجيش منزلا قريبا من ماء بدر، وهنا يظهر موقفا آخر من المواقف البطولية والخالدة في غزوة بدر، فقد كان الحباب بن المنذر عليما بالمكان، وعالما بفنون الحرب، فرأى أن هذا المكان غير مناسب، فتقدم الحباب إلى رسول الله بأدب جم، ودون خوف أو خجل، وعرض عليه رأيه، فقال له الحباب بن المنذر يا رسول الله، منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتعداه ولا نقصر عنه، أم هو الرأى والحرب والمكيدة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “بل هو الرأي والحرب والمكيدة” فقال الحباب يا رسول الله ، فإن هذا ليس بمنزل، ولكن انهض حتى تجعل القلب كلها من وراء ظهرك، ثم غور كل قليب بها إلا قليبا واحدا، ثم احفر عليه حوضا، فنقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، حتى يحكم الله بيننا وبينهم.

فقال” قد أشرت بالرأى” ففعل ذلك، فغورت القلب، وبنى حوضا على القليب الذى نزل عليه فملئ ماء، وهكذا أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم مبدأ الشورى، والأخذ برأى الآخرين، وكان هناك مواقف عظيمة من رسول الله صلي الله عليه وسلم في غزوة بدر، ومنها مشاركة القائد جيشه، ومشاركة الراعى رعيته، فيكون معهم، يحس بإحساسهم، ويتألم لآلامهم، وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو معهم في الغزوة، يأكل مما يأكلون، ويتحمل معهم كل المصاعب، ويخطط للمعركة وهو قائم بينهم، فقيل أن سعد بن معاذ، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما التقى الناس يوم بدر، يا رسول الله، ألا نبنى لك عريشا فتكون فيه، وننيخ لك ركائبك، ونلقى عدونا، فإن أظهرنا الله عليهم وأنجزنا فذاك ما أحب إلينا، وإن تكن الأخرى فتجلس على ركائبك وتلحق بمن وراءنا من قومنا.

فقد والله تخلف عنك أقوام ما نحن لك بأشد حبا منهم، لو علموا أن نلقى حربا ما تخلفوا عنك، يوادونك وينصرونك، فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له به، فبني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش، فكان فيه وأبو بكر رضى الله عنه ما معهما غيرهما، وتبدأ المعركة، ويحتدم القتال ويشتد فيتوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بيده الأمر، يرفع أكفه إلى السماء ، يطلب المدد من العزيز القدير، ونصر الله رسوله، وأعز جنده، لأنه سبحانه وتعالى “غالب على أمره” ينصر من ينصره، ويؤيد من احتمى بحصنه، فهو القاهر فوق عباده، وبيده الأمر كله، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ألا فاعتبروا يا أولي الألباب، فإن هذه دروس وعبر من غزوة بدر، فلتكن نبراسا لكم فى حياتكم، ونورا تهتدون به في طريقكم، ولكن نقول لماذا كانت الانتصارات الإسلامية الكبرى، في شهر رمضان بالذات؟

مثل غزوة بدر، وفتح مكة، ودخول الأندلس، ومعركة عين جالوت، ومعركة العاشر من رمضان؟ فنقول إن سر انتصار المسلمين فى أى معركة، وضع الله عز وجل له مفاتيحا فى كتابه، أولها جعل النصر ليس بالقوة، ولا بالعدد ولا بالخطط، ولا بالتكتيكات فقط، وإنما كما قال عز وجل ” وما النصر إلا من عند الله” فالنصر في البداية والنهاية من الله عز وجل، ولذلك ورد فى أخبار غزوة بدر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده حفنة من التراب، ورمى بها في وجوه الأعداء، قائلا “شاهت الوجوه” فأصابت كل مشرك، فما السر فى ذلك؟ فإن السر فى ذلك فى قوله تعالى ” وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ” ولذا قال للمسلمين لاحقا لما أخذت بعضهم نشوة النصر، فافتخر بقتله لصناديد أهل الكفر، قال الله تعالى لهم معلما ومؤدبا ” فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم “

فأنتم أمسكتم بالسيوف وضربتم، ولكن الله هو الذي أمدكم بالقوة، وأوصلها إلى رقاب الأعداء فقتلتهم، فالنصر بداية من الله عز وجل، ولكن هذا لا ينافى قول الله عز وجل لنا ” وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخير ترهبون به عدو الله وعدوكم” فكل ما فى إمكاناتكم من قوة جهّزوها، وتدربوا عليها، واستعدوا لها، لكن لابد مع القوة من استمداد النصر من عند الله عز وجل، لأن لله عز وجل أسلحة فى القتال تحقق النصر لا يعطيها إلا لعباده المؤمنين، وقد أشار إليها مجملا الفاروق عمر بن الخطاب فى كتابه الذي أرسله إلى القائد سعد بن أبي وقاص، فى غزوه لبلاد فارس وكان مما قاله له فيه” مُر الجند بطاعة الله عز وجل، فإنا لا ننتصر بعدد ولا عُدد، وإنما ننتصر بالمدد من الله عز وجل، والله عز وجل يمد بمدده من أطاعه ونصر شرعه، أما إذا عصى الجند الله، فإنهم يتساوون مع أعدائهم وهم أكثر منا عدّا وعددا فتكون النصرة لهم” وهذا هو المفتاح الكريم الثاني للنصر.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *