مقال

صراع النفوذ والتقارير الصحية: تسليح الأزمات بين واشنطن وموسكو


دكتور احمد ابراهيم حنفي
تشهد الساحة الدولية حالة من الارتياب السياسي والإعلامي على خلفية التقارير الواردة من إقليم سيبيريا الروسي بشأن تسجيل حادثة وفاة لباحثة في معهد أبحاث مكافحة الطاعون بإيركوتسك يُشتبه باختلاطها بسلالة بكتيرية خطيرة وهو الحادث الذي سرعان ما تحول من مجرد شأن صحي داخلي إلى ورقة ضغط ومادة للسجال الجيوسياسي بين واشنطن وموسكو في ظل حالة الاستقطاب الدولي الراهنة.


تكمن خطورة تحويل الحوادث البيولوجية والمخبرية إلى ملفات سياسية في تسارع الخطاب الإعلامي الغربي نحو التلويح بفرض قيود إضافية أو فرض عزل صارم على حركة الأفراد والرحلات وهو ما يتجاوز في جوهره طبيعة الحدث الفردي ويستدعي أدوات “الاحتواء السياسي” التي أصبحت سمة بارزة في إدارة العلاقات بين القوى الكبرى في الأعوام الأخيرة.
من جانبها تسعى الإدارة الأمريكية إلى الموازنة بين توظيف التقرير الصحي لإبقاء الضغط الدبلوماسي والإعلامي مرتفعاً على موسكو وبين طمأنة الأسواق والداخل الأمريكي من خلال التصريحات الرسمية التي تؤكد أن القيود المطبقة بالفعل على حركة السفر بين البلدين تجعل من مخاطر انتقال أي عدوى أمراً ضئيلاً للغاية وأن الوضع لا يتطلب إجراءات استثنائية تفاقم من حالة الشد والجذب القائمة.


في المقابل تتناول السلطات الروسية هذا الملف بعناية فائقة لتفادي أي ذريعة قد تُستغل لتضييق الخناق عليها مجدداً حيث فرضت إجراءات عزل صحي محددة الأهداف على المخالطين في النطاق الجغرافي للمختبر مع التأكيد على أن الموقف تحت السيطرة الكاملة وأن الحديث عن تهديد صحي عابر للحدود ليس سوى تهويل سياسي يهدف إلى تغذية مناخ العزلة الدولية.


تثبت هذه التطورات مجدداً أن الأزمات الصحية والحوادث البيولوجية لم تعد تُقرأ في أروقة السياسة الدولية بمعزل عن موازين القوة والتنافس الجيوسياسي بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من أدوات إدارة الصراع ومحاولة كل طرف إعادة تعريف خطوط التماس وحماية أمنه القومي بمفهومه الشامل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى