مقال

جوع إلى أطياف الغائبين خربشات على جدار الروح


بقلم د.ذكاء رشيد
ويبقى فنجان قهوتي رفيقي الوفيَّ في سكون المساء، وكتابي جليسي الصفيَّ الذي يتسعُ لصمتي ويجلو حيرتي. ومع تهادي نسيم الخريف، تسري في حنايا الروح هبّة حنينٍ دافئة، تعود بي إلى منابع الدفء والأمان؛ إلى همسِ أمي الذي يهدئ روع الفؤاد، وصوتِ أبي الذي يشيّد في قلبي صروح الثبات. هناك، عند شرفة غرفتي القديمة، حيث يتساقط حفيفُ أوراق الدوالي كأنه همسُ سنينٍ مضت، يُعزَفُ على نغمات الريح.


صوتُ أمي ما زال يتردّد في مسامعي ترنيمةَ سكينةٍ لا تغيب، ورائحة طهيها العبق تنسابُ في أزقة الذاكرة، توقظ فيّ جوعاً أعمق من طلب الطعام… جوعاً أزليّاً إلى حضنها الغائب الذي كان يضمّ شتاتي ويرمّم ما كسره الزمان. وجوعاً إلى حنانِ أبي الذي غرب مع شمس الأيام، وتوارى خلف قطار العمر المتسارع، ليتركني أقفُ متأملةً أطيافهم النابضة في كل زاوية من زوايا الروح.


وهكذا يتكاشف الخريف؛ ليس كموسمٍ للذبول، بل كموعدٍ أزليٍّ تُعرّي فيه الأشجار أغصانها لتعتنق الأثير، تماماً كما تتجرّد الروح من صخب الحاضر لتعود إلى أصلها النابض بالحنين. إنها طقوس الشوق حين تعزفها الريح على أوتار الغياب؛ فندرك أن كل ورقة تسقط على عتبة الشرفة إنما هي رسالةٌ محملة بسلامِ الراحلين، تشهدُ أن الحب الذي زرعوه فينا يُزهرُ في قلوبنا مهما طال الجفاف، وأن أطيافهم تظل الدفء الوحيد الذي يقهر برود الأيام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى