مقال

الفريق سعد الدين الشاذلي.. مهندس العبور الذي خطط للنصر


بقلم: أميرة عمر
في سجل العسكرية المصرية، أسماء لا تمر عليها السنوات، ولا تستطيع صفحات التاريخ أن تطوي سيرتها. ومن بين هذه الأسماء يظل الفريق سعد الدين الشاذلي واحدًا من أبرز القادة الذين ارتبطت أسماؤهم بملحمة العبور العظيم في السادس من أكتوبر عام 1973.


لم يكن الشاذلي مجرد قائد عسكري تولى منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وإنما كان أحد أبرز العقول التي شاركت في وضع التصور العملياتي للمعركة، ودراسة الإمكانات المصرية بدقة، وتحويل حلم عبور قناة السويس إلى خطة عسكرية قابلة للتنفيذ.


ولهذا ارتبط اسمه في الذاكرة المصرية بلقب «مهندس العبور».
من آثار النكسة بدأت رحلة التخطيط
بعد حرب يونيو 1967، كان أمام القوات المسلحة المصرية تحدٍ بالغ الصعوبة: إعادة بناء قدراتها، واستعادة الثقة، والاستعداد لمعركة تستطيع من خلالها عبور قناة السويس ومواجهة التحصينات الإسرائيلية في سيناء.
وفي 16 مايو 1971 تولى سعد الدين الشاذلي منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وبدأ في دراسة الإمكانات الحقيقية للجيش المصري، ومقارنتها بقدرات القوات الإسرائيلية، للوصول إلى خطة تتناسب مع الواقع العسكري المصري.
ومن هنا ظهرت فكرة «خطة المآذن العالية»، التي قامت على هدف محدد: عبور قناة السويس، واقتحام خط بارليف، وإنشاء رؤوس كباري شرق القناة، ثم اتخاذ أوضاع دفاعية مناسبة في العمق الذي تسمح به الإمكانات المصرية في ذلك الوقت.
ولم تكن الفكرة مجرد تصور على الورق، بل تحولت إلى تدريبات متكررة واستعدادات استمرت سنوات، حتى أصبحت القوات تعرف واجباتها وتوقيتاتها بدقة.


خطة المآذن العالية.. الطريق إلى بدر
كانت خطة المآذن العالية حجرًا أساسيًا في التخطيط للعبور، ثم تغير اسمها في سبتمبر 1973 إلى «خطة بدر» بعد تحديد موعد الهجوم في السادس من أكتوبر.
وبناءً على الخطة صدر التوجيه 41 عن رئاسة الأركان لتنظيم عملية العبور.
وهنا تتضح عبقرية التخطيط العسكري: لم تكن الخطة قائمة على فكرة مواجهة شاملة بلا حدود، وإنما على تحقيق أهداف محددة تتناسب مع قدرات القوات المصرية، وعلى استخدام عناصر القوة المصرية بأقصى كفاءة ممكنة.
كان المطلوب أولًا أن تعبر القوات القناة، وأن تسقط التحصينات، وأن تقيم لنفسها مواقع آمنة على الضفة الشرقية، ثم تتعامل مع التطورات وفق ظروف المعركة.
السادس من أكتوبر.. حين تحولت الخطة إلى واقع
وفي الثانية ظهرًا من يوم السادس من أكتوبر 1973، بدأت القوات المصرية تنفيذ واحدة من أشهر عمليات العبور في التاريخ العسكري الحديث.
اندفعت القوات عبر قناة السويس، وتقدمت وحدات المشاة، وبدأ المهندسون العسكريون فتح الممرات في الساتر الترابي باستخدام مضخات المياه، ثم أقيمت الكباري ووسائل العبور لنقل القوات والمعدات.
وفي الوقت نفسه كانت باقي أفرع القوات المسلحة تنفذ مهامها وفق الخطة الموضوعة.
وخلال الساعات الأولى تحولت قناة السويس، التي أرادتها إسرائيل مانعًا يحول دون تقدم الجيش المصري، إلى طريق عبرت منه القوات المصرية إلى سيناء.
وقد وثقت الهيئة العامة للاستعلامات أن عملية العبور والاستيلاء على تحصينات خط بارليف كانت جزءًا من «عملية بدر»، وأن التخطيط العملياتي للعبور بدأ منذ عام 1971.
الشاذلي.. عقل عسكري وسط منظومة كاملة
ومن الإنصاف التاريخي أن نقول إن نصر أكتوبر لم يكن صناعة رجل واحد.


فوراء العبور العظيم كانت هناك قيادة سياسية وعسكرية، وقادة أفرع وتخصصات مختلفة، وآلاف الضباط والجنود الذين نفذوا المهام، وأبطال في القوات الجوية والدفاع الجوي والبحرية والمدفعية والمشاة والصاعقة والمهندسين العسكريين.
لكن دور الفريق سعد الدين الشاذلي كان مميزًا في التخطيط العملياتي للعبور وإعداد القوات وتنظيم استخدامها خلال المرحلة الأولى من الحرب، وهو ما تؤكده المصادر الرسمية المصرية التي تعده من أبرز القادة المرتبطين بالتخطيط لعبور قناة السويس وضرب خط بارليف.
قائد سبقته خبرته إلى ميدان أكتوبر
لم يولد دور الشاذلي في أكتوبر 1973 من فراغ.
فقد شارك في حرب فلسطين، وأسهم في تأسيس قوات المظلات المصرية، وشارك في حرب العدوان الثلاثي عام 1956، كما تولى مهام عسكرية مختلفة قبل أن يصل إلى رئاسة الأركان.
وتذكر الهيئة العامة للاستعلامات أنه أسس أول قوات مظلات مصرية عام 1954، وشارك في حرب 1956، كما تولى مهام عسكرية خلال حرب اليمن، ثم قاد تشكيلات من القوات الخاصة في الفترة التي سبقت حرب أكتوبر.
كانت تلك الخبرات المتراكمة جزءًا من شخصيته العسكرية التي ظهرت بوضوح في التخطيط لحرب أكتوبر.
ليس كل من خطط للنصر وقف في الصفوف الأولى
هناك رجال تصنعهم المعركة في لحظتها، وهناك رجال يبدأ دورهم قبل المعركة بسنوات.
والشاذلي كان من الفئة الثانية.


فالمعركة التي شاهدها المصريون في السادس من أكتوبر كانت ثمرة سنوات من الدراسة والتدريب وإعادة بناء القوات المسلحة، ووضع الخطط، واختبارها، وإجراء التعديلات عليها، حتى وصلت القوات إلى لحظة التنفيذ.
وقد كشفت القوات المسلحة المصرية لاحقًا عن وثائق تتعلق بتخطيط وتنفيذ حرب أكتوبر، تضمنت تفاصيل عن التخطيط الاستراتيجي والخداع العسكري وإدارة العمليات، وهو ما يعكس حجم العمل المؤسسي والعسكري الذي سبق المعركة.
صفحة لا تنسى من تاريخ مصر
قد تختلف القراءات والتقييمات حول بعض تفاصيل إدارة حرب أكتوبر ومراحلها اللاحقة، لكن الثابت أن السادس من أكتوبر 1973 كان لحظة فارقة في التاريخ المصري والعربي، وأن الفريق سعد الدين الشاذلي كان أحد أبرز القادة الذين ارتبطوا بالتخطيط لعبور قناة السويس.


لقد أثبتت الحرب أن الجيوش لا تنتصر بالسلاح وحده، وإنما بالعلم والتخطيط والانضباط والإرادة وحسن استخدام الإمكانات.
ولهذا فإن الحديث عن سعد الدين الشاذلي ليس حديثًا عن قائد عسكري فحسب، بل عن مدرسة في التفكير العسكري، وعن رجل آمن بأن النصر يبدأ من غرفة العمليات قبل أن يبدأ في ميدان القتال.


رحم الله الفريق سعد الدين الشاذلي، ورحم شهداء مصر الأبرار، وكل من حمل السلاح دفاعًا عن تراب هذا الوطن.
سيبقى السادس من أكتوبر شاهدًا على أن ما يبدو مستحيلًا في نظر البعض، يمكن أن يصبح واقعًا حين تتلاقى الإرادة مع العلم والتخطيط.
وسيظل اسم سعد الدين الشاذلي حاضرًا في صفحات العبور.. مهندسًا للتخطيط، وقائدًا من قادة النصر، ورجلًا من رجال مصر الذين كتبوا التاريخ بالفعل لا بالكلمات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى