سوبر مان لا يسكن سيناء.. أبطال أكتوبر بلا عباءات

رفيدة شعبان | كاتبة صحفية
أبطال الخيال يمنحون الأطفال حلمًا وهميًا.. أما أبطال أكتوبر فيمنحونهم قوة حقيقية.
كصحفية تؤمن بقوة الكلمة، وكمعلمة ترى تأثير القدوة في عيون الصغار، أجدني كل عام أمام سؤال واحد: ماذا لو عرف أطفالنا أن هناك أبطالًا حقيقيين، لم يحتاجوا يومًا إلى قوى خارقة كي يصنعوا شيئًا عظيمًا؟
يجلس الطفل أمام شاشة التلفاز، يشاهد بطلًا يطير فوق المدن، ويهزم عشرات الأعداء بضربة واحدة، وينقذ العالم في دقائق. يرى القناع والعباءة والقوة الخارقة، فيكبر وهو يظن أن البطولة لها شكل واحد… أن تكون مختلفًا عن البشر.
ثم يغلق الشاشة، ويفتح كتاب التاريخ، فتقابله صورة لجندي مصري يحمل سلاحه، يقف وسط رفاقه، بملامح تبدو عادية جدًا؛ لا عباءة تطير خلفه، ولا قناع يخفي وجهه، ولا قوة خارقة تجعله مختلفًا عن الآخرين.
فربما يسأل في براءة: « هو ده بطل؟!»
وهنا تكون الإجابة: نعم… هذا هو البطل الحقيقي.
رجل من لحم ودم، له أم تنتظره، وأب يدعو له، وزوجة تخشى عليه، وأطفال ربما لم يفهموا وقتها لماذا يغيب عن البيت. رجل يعرف الخوف والتعب والاشتياق، ويحمل في داخله أحلامًا عادية جدًا؛ أن يعود إلى بيته، ويرى أهله، ويكمل حياته التي تركها خلفه. لكنه في لحظة فارقة، لم يسمح لخوفه أن يكون أكبر من واجبه، كان يعرف أن خلفه أرضًا اسمها مصر، وأن سوبر مان لا يسكن سيناء.. فأبطال أكتوبر حقاً بلا عباءات.
وفي السادس من أكتوبر عام 1973، لم يكن الجنود المصريون يواجهون مجرد ساتر ترابي أو تحصينات عسكرية، كانوا يواجهون سنوات من الانتظار؛ سنوات أصبحت فيها سيناء بعيدة، وأصبح استعادتها حلمًا يعيش في وجدان المصريين. ثم جاءت اللحظة… وعبرت القوات المصرية قناة السويس.
وفي قلب هذا المشهد الكبير، كانت هناك تفاصيل صغيرة لا تظهر دائمًا في كتب التاريخ: مهندس يفكر في كيفية فتح ثغرات في الساتر الترابي، وجندي ينفذ ما تدرب عليه طويلًا، وطبيب يقف إلى جوار المصابين، وأسرة في بيت بعيد عن الجبهة ترفع يديها إلى السماء وتنتظر.
فالحروب لا يصنعها شخص واحد، والانتصارات الكبيرة لا تبدأ دائمًا بصوت المدافع؛ أحيانًا تبدأ بفكرة، وأحيانًا تبدأ بتدريب طويل لا يراه أحد، وأحيانًا تبدأ بقلب يقول لصاحبه: «لا تتراجع.»
ولهذا، عندما نحكي لأطفالنا عن أكتوبر، لا نريد أن نقدم لهم مجرد تاريخ يحفظونه ثم ينسونه بعد انتهاء الامتحان. نريد أن نريهم الأبطال كما كانوا حقًا… بشرًا مثلنا، يخافون، ويتعبون، ويشتاقون إلى بيوتهم، لكنهم عندما جاءت لحظة الاختبار، تقدموا.
لم يمتلكوا قوى خارقة، ولم يكونوا شخصيات خرجت من فيلم. كانوا آباءً وأبناءً وإخوةً وأزواجًا، وكان لكل واحد منهم حكاية وبيت وأشخاص ينتظرونه، لكنهم اجتمعوا في حكاية أكبر من حكاياتهم الفردية: حكاية وطن.
وهنا تحديدًا، يجب أن نعيد تعريف البطولة أمام أطفالنا. فأبطال الخيال قد يجعلون الطفل يحلم بأن يطير، أو أن يمتلك قوة لا يمتلكها غيره. أما أبطال أكتوبر، فيعلمونه أن البطولة لا تحتاج إلى أن تكون خارقًا؛ قد تكون إنسانًا عاديًا جدًا، لكن عندما تأتي اللحظة التي تحتاج فيها بلادك إلى شجاعتك، تعرف كيف تكون على قدرها.
هؤلاء هم أبطال أكتوبر؛ أبطال لم يرتدوا عباءات الأبطال، ولم تكن حولهم كاميرات تبحث عن مشهد مثير، ولم ينتظروا تصفيقًا من أحد. فقط فعلوا ما كان عليهم أن يفعلوه، وتركوا لنا وطنًا يستحق أن نحكي لأطفاله قصتهم.
فإذا سألك طفلك يومًا: «مين أبطال أكتوبر؟».. لا تكتفِ بأن تشير إلى صورة في كتاب، بل قل له: هؤلاء الذين يشبهوننا.. لكنهم في لحظة احتاج فيها الوطن إليهم، فعلوا ما جعلهم يعيشون في ذاكرته إلى الأبد.
لأن أبطال الخيال يعيشون على شاشاتنا، أما أبطال أكتوبر فقد عاشوا بيننا، وتركوا لنا درسًا لا ينتهي: ليس عليك أن تكون خارقًا لتصنع شيئًا عظيمًا، يكفي أن تكون إنسانًا يعرف متى يكون شجاعًا.



