بقلم/محسن رجب جودة
انتهت الصرخة، لكن صداها ظل يتردد في جنبات الحقول، وكأن النخيل الواقف على حواف النيل صار يهمس بها في أذن الريح. غادر القطار، مخلفاً وراءه سحابة من الدخان الأسود الكثيف التي حجبت قرص الشمس المحتضر، وغطت بجبروتها جسد “محيي” الملقى فوق التراب.
ارتمت زينب فوقه. لم يكن جسداً غريباً عنها؛ كان هو “الأرض” التي تمشي عليها، و”السقف” الذي يحميها من غدر الأيام. وضعت كفها فوق صدره، شعرت بآخر نبضات قلبه وهي تخفت، كأنها شمعة تنطفئ في ريح عاتية. دمه الدافئ تغلغل بين أصابعها، صبغ أظافرها بلون الحناء القاني، لكنه لم يكن حناء عُرس، بل كان “غُسل كرامة”.
”قوم يا محيي.. الزرع مستني أيدك.. العيال مستنية ضحكتك”.. همست، لكن صمت الموت كان أقوى من نداء الحياة.
المواجهة الصامتة
حمل أهالي العزبة الجثمان على أكتافهم. كانت الجنازة صامتة، صمتاً يسبق العواصف التي تقتلع الأشجار. لم تلطم زينب وجهاً، ولم تشق ثوباً. كانت تسير خلف النعش بخطوات ثابتة، عينها معلقة بقضبان السكة الحديد التي كانت تلمع في الظلام كأنها أسنان وحش كاسر.
حين وُضع محيي في باطن الأرض، انحنت زينب وتناولت حفنة من التراب المبلل بدمه. ضغطت عليها بقبضتها حتى انحصرت الدماء بين أصابعها، وقالت بصوت خفيض لم يسمعه سوى الموتى:
”يا تراب.. هو سقاك بدمه وهو حي، وأنا هسقيك بدمهم وهم جثث. وحق اللي خلق النيل وشق الأرض، لآخد حلاوة روحه من صلب جيشهم.. واحد.. عشرة.. لحد ما القطر يخاف يمر من إهنا.”
تحول الروح
عادت زينب إلى بيتها، لكن البيت لم يعد هو البيت. رائحة “محيي” كانت تفوح من كل ركن، من “قُلّة” الماء، من ثوبه المعلق على الوتد. دخلت إلى غرفتها الصامتة، وأخرجت من “السحارة” سكيناً قديماً كان يملكه والدها. كان نصلها قد علاه الصدأ، لكنه في عينها كان يلمع كبرق الصعيد.
جلست فوق المصطبة، وبدأت تسن السكين فوق حجر أصم. كان صوت احتكاك المعدن بالحجر يخرج شرارات صغيرة، كانت تنعكس في عينيها اللتين تحولتا إلى جمرتين من نار. في تلك الليلة، لم تذق زينب طعماً للنوم. كانت تراقب من ثقب الباب الصغير أنوار المعسكر الإنجليزي البعيدة، وتسمع ضحكات الجنود السكارى وهي تأتي مع الريح.
كل ضحكة كانت تخترق قلبها كأنها طلقة رصاص جديدة. كانت تتخيل وجوههم، غطرستهم، والطريقة التي يلمسون بها أسلحتهم بزهو.
”اضحكوا.. اضحكوا النهاردة”.. تمتمت وهي تمرر إصبعها على حد السكين الذي صار كالشفرة.. “بكرة الليل هيعرفكم مين هي زينب.. ومين هي أرض المنيا.”
نذير العمل
قبل أذان الفجر، خرجت زينب إلى الحقل. لم تأخذ معها فأساً ولا بذوراً. وقفت عند النقطة التي سقط فيها محيي، وحفرت حفرة صغيرة بيديها، ودفنت فيها قطعة من ثوبه الملطخ بالدم.
كانت هذه هي “التميمة” التي ستطلق بها شرارة الحرب. لم تعد زينب تخاف الليل، بل صار الليل رفيقها، وصارت الظلال سلاحها. وفيما كانت الشمس تشرق على خجل، كانت “زينب المنتقمة” قد رسمت في خيالها أول خطة لسقوط أول جندي.
انتهى زمن الحزن.. وبدأ زمن الحصاد المر.



