أخبار منوعة

زينب (المرأة التي أرعبت الأمبراطورية)….قصة حقيقية.‏الفصل الأول: رائحة الأرض.. ونذير العاصفة


‏بقلم الكاتب/محسن رجب جودة
‏كانت الشمس تميلُ نحو الغروب، تفرشُ عباءتها الذهبية فوق حقول المنيا الخضراء، حيث تتمايل سنابل القمح مع نسمات الربيع كأنها تؤدي صلاة شكرٍ صامتة. في ذلك الركن الهادئ من “عروس الصعيد”، كانت زينب تسيرُ خلف زوجها “محيي”، وقدميها الحافيتين تلامسان تراب الأرض بدفءٍ وحميمية، كأن هناك لغة سرية بين جسدها وبين هذا الطين الذي جُبلت منه.
‏كانت زينب فلاحةً أصيلة، ملامحها منحوتة من صخر الجبل، وعيناها تحملان صفاء النيل وعمقه. لم تكن تحلم بقصورٍ أو تيجان؛ كان أقصى أمانيها أن يعود “محيي” في نهاية اليوم، يمسح عرق جبينه بطرف ثوبه، ويجلسان معاً يقتسمان رغيفاً من الخبز “المرحرح” وجبنةً قديمة، يضحكان لصغارهم وهم يلعبون حولهما.


‏”يا زينب.. الأرض السنة دي كريمة، والزرع باين عليه الخير”.. قالها محيي وهو يغرس فأسّه في التربة بقوة وثبات، ليلتفت إليها بابتسامةٍ شقت وجهه الأسمر الذي لوحته الشمس.
‏ردت عليه زينب وصوتها يحمل نبرة الرضا: “الخير فيك ، يدك هي اللي باركت الأرض.. ربنا يخليك لنا سند وظهر.”


‏لكن هذا الهدوء الرعوي لم يكن ليدوم. فعلى بُعد أمتارٍ قليلة، كانت قضبان السكة الحديد تشق صمت الريف كخنجرٍ بارد. لم يكن أهل المنيا يحبون ذلك القطر؛ فصوته يذكرهم دائماً بالغرباء الذين يسكنون العاصمة، وبالعساكر الذين يرتدون بزات كالحجر ويحملون بنادق لا تعرف الرحمة.


‏فجأة، انشق سكون الحقل بصوتٍ مروع.. صريرُ حديدٍ يصطدم بحديد. توقف القطار الإنجليزي في مكانٍ غير معتاد، ونفث دخانه الأسود في وجه الشمس الصافية، وكأنه يلوث طهر المكان.


‏توقفت يد “محيي” عن الضرب بالفأس، وتجمدت زينب في مكانها. خرج من العربة جندي إنجليزي، يترنح بزهوٍ زائف، يمسح بنظراته الوقحة الحقول، حتى وقعت عيناه على زينب. لم تكن في نظراته “آدمية”، بل كانت نظرة محتلٍ يرى أن كل ما على هذه الأرض هو ملكٌ يمينُه.


‏اقترب الجندي بخطواتٍ ثقيلة، تفوح منه رائحة الغطرسة والتبغ. شعرت زينب بانقباضٍ في صدرها، فشدت غطاء رأسها (شيلتها) حول وجهها بقوة، وكأنها تحتمي بكرامتها. لكن الجندي لم يتوقف، بل امتدت يده الآثمة لتمسك بطرف ثوبها، متجاوزاً كل خطوط الشرف التي يقدسها أهل الصعيد.


‏في تلك اللحظة، لم يعد “محيي” مجرد فلاحٍ غلبان يحرث الأرض.. تحول إلى بركانٍ ثائر. صرخ صرخةً هزت النخيل: “يدك يا خنزير!”.
‏اندفع “محيي” كالفهد الجريح، رافعاً فأسه عالياً ليذود عن عرضه، عن أرضه، وعن شرفه. لكن الغدر كان أسرع من النبل؛ ببرودٍ تام، أخرج الجندي مسدسه اللامع، وصوب رصاصةً واحدة سكنت قلب “محيي”.


‏سقط الفأس من يده، وسقط هو فوق التراب الذي طالما عشقه. جرت زينب نحوه، ارتمت فوق جسده الدافئ، تحاول سد فجوة الرصاصة بيدها المرتجفة، لكن دمه كان ينساب بغزارة، يصبغ الأرض بلونٍ قاني.


‏نظر “محيي” إلى عين زينب نظرةً أخيرة، نظرةً تحمل وصيةً صامتة، ثم أسلم الروح. في تلك اللحظة، سكتت أصوات العصافير، وتحولت نظرة الانكسار في عيني زينب إلى نيرانٍ مستعرة.


‏لم تصرخ.. لم تلطم خديها.. بل وقفت ببطء، ونظرت إلى الجندي الذي كان يضحك بسخرية وهو يعيد مسدسه إلى جرابه. في تلك اللحظة، خُلق في صدرها وحشٌ لن يهدأ إلا بالدم.


‏لقد انتهى فصل “زينب الهادئة”.. وبدأ فصل “المنتقمة” التي ستجعل جيشاً بأكمله يرتعد من مجرد ذكر اسمها…..انتظرونا في الفصل القادم.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *