بقلم / محمـــد الدكـــروري
إعلموا يا عباد الله أن الإيمان لا ينكر الألم ولا يزيفه، بل يهذبه ويعيد توجيهه فيجعل من الدمع طهرا ومن الحزن وعيا ومن الإنكسار بابا للرجوع، وقد جاءت السنة النبوية مؤكدة هذا المعنى العميق، فالألم فيها ليس عبثا ولا شرا محضا، بل يمكن أن يتحول إلى خير خالص متى صاغه الصبر وأحسن توجيهه، فلم تنكر السنة النبوية ما يعتري الإنسان من وجع أو ما يصيبه من ضرر، ولكنها إنتقلت به من مجرد معاناة إلى سلم تزكية وإرتقاء، تهذب به النفس، وتصفو به الروح، وفي هذا المعنى يقول النبي صلى الله عليه وسلم ” عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له” لتتجلى بذلك حقيقة جلية أن المؤمن لا يخسر مع الله أبدا، بل تتحول أيامه كلها سرّاء كانت أو ضرّاء إلى ميادين خير، ما دام قلبه معلقا بالصبر والشكر، وموقنا بحكمة الله ولطفه.
وقال الإمام القرطبي المؤمن هنا هو العالم بالله، الراضي بأحكامه، العامل على تصديق موعوده، وذلك أن المؤمن المذكور إما أن يبتلى بما يضره، أو بما يسره، فإن كان الأول صبر وإحتسب ورضي، فحصل على خير الدنيا والآخرة وراحتهما، وإن كان الثاني، عرف نعمة الله عليه ومنته فيها، فشكرها وعمل بها، فحصل على نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، وإعلموا أن النكاح مستحب مندوب إليه، كثير الفضائل، وفيه فوائد منها الولد لأن المقصود بقاء النسل، وفيه موافقة محبة الله تعالى بالسعي إلى ذلك ليبقى جنس الإنسان، ويكون الأمر أكثر فائدة لو كان النسل صالحا، حتى يتحقق عدم إنقطاع عمل الإنسان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “إذا مات الإنسان انقطعَ عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له” رواه مسلم، وإن الإسلام يعتبر النكاح وبناء الأسر وسيلة فعالة.
لحماية الشباب والمجتمع من الفوضى الجنسية، لذلك اختص الشباب بقسط أوفر من الدعوة إلى النكاح، فعن عبدالله رضي الله عنه قال، قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم “يا معشر الشباب، مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء” رواه مسلم، فعلى الشباب الذين توفرت فيهم القدرة على الزواج الإقدام عليه لما فيه من سلامة الدين، وسكون النفس، وتحصين الفرج، وسلامة المجتمع من الانحراف الخُلقي، وأمن من التفسخ الاجتماعي، وإشباع الميل إلى الجنس الآخر عن طريق الزواج المشروع والاتصال الحلال، فإن لم يستطع الزواج، فعليه بالصوم لأنه يقمع الشهوة، ويكبح جماح كل نزوة، ولقد إختص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الشباب لأن توفر الشهوة فيهم تجعل حاجتهم إلى الزواج أشد، والضرر من إعراضهم أكبر، سواء بالنسبة لأنفسهم، بإحتمال إنحرافهم عن الفضيلة والطهر.
أو بالنسبة للمجتمع الذي يؤدي فيه الإعراض عن الزواج إلى انتشار الفاحشة، وكثرة المنكرات، وتفشي الأمراض الخبيثة، وكثرة أولاد الزنا، وإن الزواج حماية لما يحدث من الفوضى في المجتمعات الغربية من حوادث الاغتصاب للأعراض، وزيادة الأطفال الذين وُلدوا سفاحا من فتيات لم يبلغن سن الرشد، والزواج هو أحد أسباب سلامة المجتمع الإسلامي، وإن سلامة الأسرة المسلمة من مفاسد المدنية الغربية، هي السبب لسلامة المجتمع الإسلامي من الفجور، والإسلام حينما ركز على تكوين الأسرة، إنما يركز على تكوين العلاقات الزوجية التي يحمي به المجتمع من بلاء الزنا واللواط ليبقَى المجتمع طاهرا، تزدهر فيه القيم، وتصان فيه الأعراض والحُرمات، والإسلام يراعي الشباب إذا كانوا في حاجة لمعونة الآباء لتكوين الأسرة المنشودة، وإعتبر الإسلام النكاح من حقوق الولد على والده إذا كان في سعة من المال.
فعن أبي سعيد الخدرى وابن عباس رضي الله عنهم قالا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” مَن وُلد له ولد، فليحسن اسمه وأدبه، فإذا بلغ فليزوجه، فإن بلغ ولم يزوجه فأصاب إثما، فإنما إثمه على أبيه” وهكذا فإن الأسرة هي أهل الرجل وعشيرته، والأسرة هى جماعة يربطها أمر مشترك، وهي رابطة اجتماعية تتكون من زوج وزوجة وأطفالهما وتشمل الجدود والأحفاد وبعض الأقارب علي أن يكونوا في معيشة واحدة.

