أخبار العالم

تعثر مفاوضات واشنطن وطهران وتصعيد يهدد أمن الطاقة العالمي

كتب ضاحى عمار
تكشف تطورات المشهد السياسي عن تعثر واضح في مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، بعد جولة ماراثونية استمرت 21 ساعة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، انتهت دون تحقيق اختراق حقيقي، لتعيد المنطقة إلى مربع التوتر الحذر وتفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا في واحد من أخطر الملفات الدولية.

تؤكد المعطيات أن فشل هذه الجولة لم يكن مفاجئًا بقدر ما كان نتيجة طبيعية لتباعد الرؤى بين الطرفين، حيث تمسكت واشنطن بشروط صارمة تتعلق بوقف أي مسار يمكن أن يقود إلى امتلاك سلاح نووي، بينما رأت طهران أن هذه المطالب تتجاوز حدود التفاوض المقبول وتمس جوهر سيادتها، خاصة في ظل إصرارها على الحصول على مكاسب موازية تتعلق برفع القيود الاقتصادية وتعويض خسائر الحرب.

تعكس تصريحات نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس اتجاهًا واضحًا داخل الإدارة الأميركية نحو إعادة صياغة الأهداف، فلم يعد الهدف المعلن مقتصرًا على الملف النووي فقط، بل امتد ليشمل ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يعكس إدراكًا أميركيًا لحجم التأثير الاستراتيجي الذي تمثله سيطرة إيران على هذا الممر الحيوي الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات الطاقة العالمية.

يرى اللواء يونس السبكي الخبير الاستراتيجي أن ما جرى في إسلام آباد يمثل جولة جس نبض أكثر منه مفاوضات حاسمة، موضحًا أن واشنطن تدرك جيدًا أن الحسم العسكري الكامل مع إيران يحمل تكلفة باهظة، ولذلك تحاول الضغط عبر مسار تفاوضي مشروط يضمن لها الحد الأدنى من أهدافها، وعلى رأسها تأمين خطوط الطاقة العالمية. ويضيف أن إدخال ملف مضيق هرمز بقوة على طاولة التفاوض يعكس تحولًا في الأولويات الأميركية من تغيير السلوك الإيراني إلى احتواء تداعياته.

وفي المقابل، تشير المحللة السياسية رشا فتحي إلى أن إيران تتعامل مع المفاوضات بمنطق القوة المكتسبة من الصمود، معتبرة أن طهران نجحت في فرض معادلة جديدة تجعل أي اتفاق مشروطًا باعتراف غير مباشر بنفوذها الإقليمي. وتوضح أن المطالب الإيرانية المتعلقة بالسيطرة على المضيق وفرض رسوم عبور ليست مجرد أوراق تفاوض، بل تعكس رؤية استراتيجية تسعى إلى تحويل الجغرافيا إلى مصدر دائم للضغط السياسي والاقتصادي.

تكشف التطورات الميدانية عن تداخل واضح بين المسارين العسكري والسياسي، حيث جاء فشل المفاوضات في وقت لا يزال فيه وقف إطلاق النار هشًا، ما يزيد من احتمالات انهياره في أي لحظة، خاصة مع استمرار العمليات العسكرية غير المباشرة في أكثر من ساحة، وعلى رأسها الساحة اللبنانية التي لا تزال خارج إطار التهدئة.

تشير تقديرات خبراء الأمن إلى أن الولايات المتحدة تسعى حاليًا إلى كسب الوقت، سواء لإعادة ترتيب أوراقها العسكرية في المنطقة أو لإتاحة فرصة أخيرة أمام المسار الدبلوماسي، بينما تراهن إيران على عامل الزمن لتعزيز موقفها التفاوضي، مستفيدة من الضغوط الاقتصادية العالمية الناتجة عن اضطراب إمدادات الطاقة.

تطرح هذه المعطيات تساؤلات جوهرية حول مستقبل الصراع، خاصة في ظل ارتفاع منسوب عدم الثقة بين الطرفين إلى مستويات غير مسبوقة، وهو ما يجعل أي جولة تفاوض مقبلة محفوفة بالمخاطر. ويرى مراقبون أن استمرار هذا الجمود قد يدفع نحو أحد خيارين لا ثالث لهما، إما العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أكثر مرونة من الجانبين، أو الانزلاق إلى تصعيد أوسع قد يعيد رسم خريطة التوازنات في المنطقة.

تؤكد قراءة المشهد أن ما بعد فشل مفاوضات إسلام آباد ليس كما قبلها، إذ لم يعد الصراع يدور فقط حول برنامج نووي، بل تحول إلى معركة نفوذ شاملة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية، في وقت يقف فيه العالم مترقبًا لما ستسفر عنه الأيام المقبلة من تحولات قد تغير ملامح النظام الإقليمي والدولي بأكمله.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *