ترعة المفهومية

كتب/ نهاد عادل
هناك صنف عجيب من البشر، لا يحتاج إلى كتاب ليقرأ، ولا إلى معلّم ليتعلّم، ولا إلى دليل ليقتنع. يكفيه أن يفتح فمه حتى يظن أن الحكمة قد خرجت في نزهة على لسانه.
تراه يتحدث في الطب وكأنه اخترع المضاد الحيوي، وفي الاقتصاد كأنه يدير خزائن العالم، وفي السياسة كأنه كان حاضرًا عند كتابة التاريخ، ثم يختم حديثه بجملة: “أنا فاهم الموضوع كله.”
هذا الرجل لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن فرصة ليقول: “أنا كنت عارف.” فإن أصاب بالمصادفة، عدّها عبقرية، وإن أخطأ، اتهم الواقع بأنه لم يفهمه جيدًا.
أشد ما يميزه أنه يملك إجابة لكل سؤال، حتى الأسئلة التي لم تُطرح بعد. وإذا واجهته بحقيقة موثقة، نظر إليها شزرًا، ثم قال بثقة يحسدها عليها أهل اليقين: “الكلام ده غلط.” وكأن الحقائق لا تُعتمد إلا بعد ختمها بختم حضرته.
مدّعي الفهم لا يخشى الجهل، بل يخشى أن يسمعه الناس يقول: “لا أعرف.” فهذه الكلمة، في قاموسه، هزيمة كبرى، بينما يراها العقلاء أول درجات المعرفة.
إنه يعيش على مبدأ بسيط: كلما قلّ العلم، ارتفع الصوت. وكلما ضعفت الحجة، ازدادت الثقة بالنفس. حتى يخيل للسامع أن الضجيج يمكن أن يحل محل البرهان.
والطريف أن أكثر الناس معرفة هم أقلهم ادعاءً، لأنهم يدركون اتساع ما يجهلون. أما صاحبنا، فقد اختصر الكون كله في رأسه، ثم ضاق رأسه عن فكرة واحدة تخالف رأيه.
ولو كان الادعاء علمًا، لكان هذا الرجل موسوعة تمشي على قدمين. لكن الحقيقة لا تعبأ بنبرة الصوت، ولا تُقاس بطول الخطب، ولا تنحني لمن يرفع حاجبيه وهو يتكلم.
رحم الله امرأً عرف قدر نفسه، فالعلم يرفع صاحبه بالتواضع، أما الادعاء فلا يرفع إلا منسوب الضحك في المجالس



