صدق الرسول مع الله

بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد كان رسول الله صلي الله عليه وسلم أصدق الناس، وأخشى الناس وأعلمهم وأخلصهم، فكان صلي الله عليه وسلم يتكلم في خطبة الجمعة، وكان ذاك الجو صائفا شديد الحر السماء ترسل أشعتها كالنار، ليس في السماء سحاب ولا غيم، والناس في قحط لا يعلمه إلا الله، وبينما هو صلي الله عليه وسلم في أثناء الخطبة، إذا بأعرابي يدخل من باب نحو دار القضاء وهو باب من أبواب المسجد، فيقطع هذا الأعرابي خطبة الرسول صلي الله عليه وسلم ويقول ” يا رسول الله ضاع المال، وجاع العيال، وقحطنا، فادع الله أن يغيثنا، فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخطبة مباشرة ورفع يديه، وقال اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا” قال أنس راوي الحديث والله ما في السماء من سحاب ولا قزعة.
وما بيننا وبين سلع شيء، فثارت من وراء سلع سحابة صغيرة كالترس، والترس مجن يحمله المقاتل يحميه من ضربات السيوف فانتشرت كالجبال على سماء المسجد وسماء المدينة، ثم أبرقت وأرعدت وأمطرت بإذن الواحد الأحد، فوقع الغيث على المسجد، فخر الماء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ الماء يتحدر على لحيته، وهو يتبسم ويقول أشهد أني رسول الله ” ونقول له نشهد أنك رسول الله، وأنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، وأنك أخرجت القلوب من ربقة التقليد والتبعية والخرافة والوثنية، وأحييت أمة، ورفعت للعدل منبرا، وأنك سللت للإسلام سيفا، فصلى الله عليك وسلم تسليماً كثيرا، ويستمر الغيث أسبوعا كاملا، وتسيل الأودية، ويأتي ذاك الأعرابي أو غيره في الجمعة الأخرى.
والرسول صلي الله عليه وسلم يخطب في الناس والغيث ينزل والمطر يواصل، فيقطع خطبته مرة ثانية، ويقول يا رسول الله جاع العيال، أي جاعوا من كثرة الأمطار، قبل أسبوع جاعوا من القحط والجدب والجوع، واليوم جاعوا من الحصار الذي أحدثه المطر بإذن الله فأصبحوا في البيوت، قال وتقطعت السبل، وضاع المال، فادع الله أن يرفع عنا الغيث، فتبسم رسول الله صلي الله عليه وسلم، وقال بعض أهل العلم تبسم رسول الله صلي الله عليه وسلم إما للموافقة لأن هذا الأعرابي يقطعه مرتين في موقفين، وقيل تبسم من قلة صبر الناس، ما صبروا على الجوع والظمأ، وما صبروا على استمرار المطر والغيث، فيرفع رسول الله صلي الله عليه وسلم كفيه الشريفتين، فهل يقول يا رب ارفع عنا الغيث؟ لا.
وهل النبي صلي الله عليه وسلم يدعو برفع الغيث؟ لا، الرحمة لا يطلب أن ترفع مهما نزلت، فهي بركة وخير ونور، فقال ” اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الظراب والآكام، وبطون الأودية ومنابت الشجر ” قال أنس والله ما أشار صلى الله عليه وسلم إلى مكان إلا أخذ المطر والغيث ينحاز إلى ذاك المكان، وخرج الصحابة والمدينة في مثل الجوبة كأن عليها ثوبا مفصلا، أما المدينة فشمس وهواء طلق ونسيم عليل، وأما حولها فأمطار غزيرة وسيول جارفة، إنه برهان على رسالته صلي الله عليه وسلم الخالدة، وهذا القصص يغرس الإيمان في القلوب حتى يصبح كالجبال، ولذلك قال الله عز وجل في كتابه الكريم ” نحن نقص عليك أحسن القصص” وأحسن القصص سيرته العطرة الطيبة صلي الله عليه وسلم وما صح عنه.



