مقال

تآكلت “الجدعنة”.. كيف تحول المجتمع المصري من “حامي الدار” إلى “متفرج بالهاتف”؟


بقلم / صلاح متولي

عقود طويلة والشعب المصري يُعرّف نفسه بكلمة واحدة اختصرت جيناته الاجتماعية: “الجدعنة”. كانت الشوارع حكاماً غير رسميين، والأخلاق مسألة حماية مجتمعية تشاركية؛ إذا صرخت امرأة هب الشارع بأكمله لنصرتها، وإذا أخطأ شاب نهره الكبير قبل الصغير. اليوم، تقف المصر أمام مشهد مغاير تماماً: جرائم تُرتكب في وضح النهار، وعنف يتمدد في أبسط تفاصيل الحياة اليومية، والمفارقة المأساوية أن عشرات الهواتف تُرفع لتصوير الجريمة بدلاً من منعها. هل نحن أمام مجرد انعكاس لضغوط الحياة، أم أننا نشهد انهياراً هادئاً للشيفرة الأخلاقية التي جمعت المصريين لقرون؟


الشماعة الأكثر سهولة هي الدفع دائماً بأزمة الغلاء والضغوط الاقتصادية. لكن هذا التفسير البسيط يظلم الحقيقة. فالفقر لم يكن يوماً اختراعاً حديثاً في مصر، والتاريخ يخبرنا أن أشد الفترات صعوبة شهدت أعلى مستويات التضامن والتكاتف الاجتماعي. الأزمة الحقيقية ليست في جيب المواطن، بل في منظومة قيم أصبحت تعاني من انفصام حاد. لقد تحولت الأخلاق من “سلوك عملي” إلى “شعار ظاهري”؛ نرى حرصاً شديداً على المظاهر والشكليات، مقابل تراجع مخيف في جوهر التعاملات: الصدق، النزاهة، احترام الخصوصية، وقيمة الحياة نفسها.


الخطورة اليوم ليست فقط في ارتفاع معدل الجريمة، بل في “تطبيعها”. الجريمة لم تعد مجرد حادث فردي يثير الصدمة والرفض، بل أصبحت مادة للترفيه الرقمي والسخرية عبر مواقع التواصل الاجتماعي. صرنا نستهلك العنف كأننا نتابع مسلسلاً درامياً، وتراجعت قيمة الشهامة والحياء لصالح “التريند” وجمع المتابعين. عندما يصبح المشاهد شريكاً بالصمت أو بالتقاط الفيديو بدلاً من التدخل، يفقد المجتمع درعه الحصين: الردع المجتمعي الذي كان أشد قوة من القانون نفسه.


المشكلة أعمق من مجرد ظواهر عابرة؛ إنها تحول نحو “الفردانية الشرسة”. عبارات مثل “ماليش دعوة” و”أنا ومن بعدي الطوفان” أصبحت القواعد الحاكمة للتصرف اليومي. غاب الدور التربوي والثقافي الحقيقي، وترك الساحة لثقافة العنف وصناعة النجومية من القاع، حيث يُكافأ المنفلت بالشهرة والمال، بينما يُستضعف الإنسان المحترم ويُوصف بأنه “طيب زيادة عن اللزوم” وكأن الطيبة أصبحت عيباً يجب التخلص منه.
إن الاستمرار في تعليق الأزمة على شماعات خارجية أو تبسيطها باعتبارها “حوادث فردية” لن يبني مجتمعاً آثمناً. الحل لا يبدأ بالقوانين والمحاكم وحدها، لأن القانون يرصد الجريمة بعد وقوعها، بينما الأخلاق هي التي تمنعها قبل أن تبدأ. نحتاج إلى مواجهة شجاعة مع الذات: إعادة الاعتبار للتربية الحقيقية داخل البيت والمدرسة، واستعادة الفضاء العام من ثقافة العنف والتفاهة، والأهم من ذلك.. أن نملك شجاعة الرفض والتدخل، حتى لا نفيق يوماً لنكتشف أننا أصبحنا غرباء في وطن كان يفتخر دائماً بأنه آمن بأخلاق أهله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى