“الميكروفون الصامت”.. عندما تصبح الأجهزة المحيطة جزءاً من الهجوم السيبراني

متابعة أشرف ماهر ضلع
لم يعد الهاتف وحده هو الجهاز الذي يجب أن نفكر فيه عندما نتحدث عن الخصوصية.. فمع انتشار الساعات الذكية والسماعات والنظارات وأجهزة المنزل والسيارات المتصلة، أصبح الإنسان يعيش داخل بيئة رقمية مليئة بالمستشعرات، بعضها يستطيع التعامل مع الصوت والبيانات بصورة مستمرة أو عند تفعيل وظائف معينة.. وهنا تبدأ قضية أمنية أكثر تعقيداً من مجرد سؤال:
هل هاتفي يتنصت عليّ؟
من جهته، يقول الدكتور محمد محسن رمضان، رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمركز العرب للأبحاث والدراسات في تصريحات خاصة لـ”العربية.نت” و”الحدث.نت” إن “التطور الحقيقي في هذه القضية هو انتقالنا من مفهوم “الجهاز الشخصي” إلى مفهوم “البيئة الرقمية المحيطة”، ففي الماضي كان المستخدم يستطيع إلى حد كبير تحديد الأجهزة التي يتعامل معها، أما اليوم فقد يكون محاطًا بعشرات الأجهزة الذكية التي تجمع أنواعًا مختلفة من البيانات، حتى لو لم يكن هو مالكها أو مستخدمها المباشر”.
شروط وصلاحيات وآليات التشغيل
وتابع: “وهنا يجب أن نضع قاعدة علمية مهمة.. وجود ميكروفون في جهاز لا يعني أن الجهاز يسجل جميع المحادثات من حوله. فالتقاط الصوت وتسجيله وتخزينه وإرساله وتحليله عمليات مختلفة تقنياً، ولكل منها شروط وصلاحيات وآليات تشغيل. لذلك فإن الحديث عن “التجسس” يجب ألا يتحول إلى تعميم أو تخويف، وإنما يجب أن يستند إلى كيفية عمل الجهاز، والصلاحيات الممنوحة للتطبيقات، وإعدادات الخصوصية، وأمن النظام نفسه”.
كما أوضح الدكتور محسن رمضان أن المشكلة الأمنية تبدأ عندما ننتقل من السؤال “هل الجهاز يسجل؟” إلى السؤال الأكثر أهمية.. ما قيمة البيانات الصوتية إذا وصلت إلى جهة غير مصرح لها؟، “فالصوت لم يعد مجرد موجات تنتقل في الهواء وتنتهي بانتهاء الحديث. في عصر الذكاء الاصطناعي يمكن تحويل التسجيل الصوتي إلى نص، وفصل المتحدثين، وتحليل محتوى الحديث، وربط المعلومات الصوتية بسياقات رقمية أخرى. والأخطر أن تقنيات استنساخ الصوت أصبحت قادرة على إنتاج أصوات اصطناعية شديدة التشابه مع أصوات أشخاص حقيقيين، وهو ما يفتح الباب أمام استخدام الصوت ضمن عمليات انتحال الشخصية والاحتيال والهندسة الاجتماعية”.
وأضاف قائلاً: “وهنا نصل إلى نقطة شديدة الخطورة، فالمجرم الإلكتروني لم يعد يبحث فقط عن كلمة المرور؛ قد يبحث عن المعلومات التي تساعده على بناء شخصية رقمية مقنعة، فتخيل أن تسجيلاً قصيراً لشخص ما يحتوي على اسمه، وطبيعة عمله، وأسماء أفراد أسرته، وبعض التفاصيل التي ذكرها بصورة عفوية. كل معلومة بمفردها قد تبدو غير مهمة، لكن عندما تجمعها خوارزميات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، يمكن أن تتحول إلى صورة أكثر اكتمالًا عن الشخص وسلوكه وعلاقاته”.
خطورة البيانات الصغيرة
ولفت خبير الذكاء الاصطناعي إلى أن هذا هو جوهر الخطر، فالبيانات الصغيرة عندما تُجمع وتُحلل قد تنتج معلومة كبيرة، ومن هنا فإن الأجهزة القابلة للارتداء تمثل تحدياً جديداً في مفهوم الخصوصية. فالسماعة الذكية أو الساعة أو النظارة ليست بالضرورة “جهاز تجسس”، ولكنها جهاز يحتوي على مستشعرات وقدرات اتصال ومعالجة، ولذلك يجب أن تخضع مثل غيرها لمبادئ الأمن السيبراني، وتحديثات مستمرة، صلاحيات محددة، تطبيقات موثوقة، إعدادات خصوصية واضحة، وحماية مناسبة للحسابات المرتبطة بها.
ويتفق مع ما سبق مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق لأمن المعلومات، اللواء محمود الرشيدي، ويضيف في تصريحات خاصة لـ “العربية.نت” و”الحدث.نت”: “الأمر نفسه ينطبق على السيارات الحديثة التي أصبحت أنظمة رقمية متكاملة تحتوي على اتصال بالإنترنت ومستشعرات وأنظمة ترفيه ومساعدات صوتية. لذلك فإن مفهوم “سطح الهجوم” في الأمن السيبراني لم يعد مقتصراً على أجهزة الكمبيوتر والخوادم؛ بل أصبح يشمل كل جهاز متصل يمكنه جمع البيانات أو معالجتها أو تبادلها”.
وتابع: “المعادلة تغيرت، فكل جهاز ذكي جديد يضيف وظيفة إلى حياتنا، لكنه يضيف في الوقت نفسه نقطة جديدة تحتاج إلى إدارة وحماية، ومن الأخطاء الشائعة أن يعتقد المستخدم أن حماية الخصوصية تعني فقط إغلاق الكاميرا، فالحقيقة أن البيانات التي يمكن أن تكشف الكثير عن الإنسان أوسع بكثير من الصورة. فالصوت، والموقع، ونمط الاستخدام، والأجهزة المتصلة، وسجل التفاعل، كلها أجزاء يمكن أن تشكل معًا ما يشبه “البصمة الرقمية”، للمستخدم”.
وأوضح اللواء محمود الرشيدي أنه “لذلك فإن حماية الخصوصية الصوتية تبدأ أولاً من الوعي، وأنصح المستخدمين بمراجعة صلاحيات التطبيقات التي تصل إلى الميكروفون، وعدم منح هذه الصلاحية إلا عندما تكون هناك حاجة حقيقية إليها، ومراجعة الأجهزة المرتبطة بالحسابات الشخصية، وإزالة الأجهزة غير المستخدمة، وتحديث أنظمة التشغيل والبرامج الثابتة باستمرار، وعدم تحميل التطبيقات أو الأدوات من مصادر مجهولة”.
وأضاف: “وفي بيئات العمل، يجب أن تكون المسألة أكثر صرامة. الاجتماعات التي تتناول معلومات مالية أو استراتيجية أو بيانات شخصية حساسة يجب أن تراعي وجود الأجهزة الذكية القابلة للتسجيل أو الاتصال، وأن تكون هناك سياسات واضحة تحدد ما يسمح باستخدامه داخل الاجتماعات والمناطق الحساسة، وأوجه رسالة خاصة إلى أولياء الأمور والشباب: لا تتعاملوا مع الصوت باعتباره شيئاً عابراً. فالتسجيل الذي تراه اليوم مجرد مقطع قصير قد يصبح غدًا جزءًا من مادة يمكن تحليلها أو إعادة استخدامها أو التلاعب بها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي”.
مصر مقابلة مع العربية نت الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين.. تحالف جديد في خدمة الجريمة السيبرانية
واختتم: “كما يجب أن نتوقف عن الاعتقاد بأن التكنولوجيا إما “آمنة تماماً” أو “تتجسس علينا دائماً”، فالحقيقة أكثر تعقيداً والأمن الرقمي يقوم على إدارة المخاطر، وليس على إطلاق الأحكام المطلقة، والسؤال الصحيح ليس.. هل التكنولوجيا تسمعنا؟ وإنما.. ما البيانات التي يمكن أن تجمعها التكنولوجيا؟ ومن يستطيع الوصول إليها؟ وكيف يتم تخزينها؟ وما الذي يمكن أن يحدث إذا وقعت في الأيدي الخطأ؟، وهنا أؤكد أن الوعي السيبراني أصبح ضرورة يومية، وليس رفاهية تقنية. فكلما توسعت منظومة الأجهزة المتصلة من حولنا، أصبح من الضروري أن نتعلم كيف ندير صلاحياتها ونفهم وظائفها ونقلل البيانات التي لا نحتاج إلى مشاركتها، ويجب أن ندرك أن الخصوصية الرقمية لا تُحمى بجهاز واحد ولا بتطبيق واحد، وإنما بسلوك واعٍ ومنظومة أمنية متكاملة”.



