بين الحرية والتجاوز.. أين الخط الفاصل

بقلم الدكتورة/ مروة شعلان
أصبحت كلمة “حرية” من أكثر الكلمات تداولًا في مجتمعنا، لكنها في الوقت نفسه من أكثر الكلمات التي يختلف الناس في فهمها. فالبعض يرى أن من حقه أن يقول ما يشاء ويفعل ما يشاء تحت شعار الحرية، بينما يرى آخرون أن هناك حدودًا لا ينبغي تجاوزها مهما اختلفت الآراء.
الحقيقة أن الحرية قيمة عظيمة، بل إنها من الحقوق الأساسية التي لا يمكن لأي مجتمع متحضر أن يستغني عنها. فمن حق الإنسان أن يعبر عن رأيه، وأن يناقش، وأن ينتقد، وأن يرفض، وأن يختار ما يراه مناسبًا له. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الحرية إلى وسيلة لإهانة الآخرين أو التجريح أو السخرية أو نشر الكراهية.
فالحرية لا تعني أن أرفع صوتي على من يخالفني، ولا تعني أن أسب أو أشتم أو أتهم الناس دون دليل. كما أنها لا تعني التعدي على خصوصيات الآخرين أو التقليل من احترامهم وكرامتهم. فحين يصل الأمر إلى الإساءة للناس أو جرح مشاعرهم أو الاعتداء على حقوقهم، فإننا نكون قد تجاوزنا حدود الحرية إلى دائرة قلة الأدب وسوء الخلق.
ولعل مواقع التواصل الاجتماعي كشفت هذه المشكلة بوضوح. فكم من شخص يظن أنه يمارس حقه في إبداء الرأي، بينما هو في الحقيقة يهاجم الآخرين بألفاظ جارحة ويطلق الأحكام القاسية دون معرفة أو رحمة. وأصبح البعض يخلط بين النقد والإهانة، وبين الصراحة والوقاحة، وبين الجرأة والتطاول.
إن الخط الفاصل بين الحرية والتجاوز بسيط وواضح:
أن تعبر عن رأيك دون أن تهين غيرك. يمكنك أن ترفض فكرة، لكن ليس من حقك أن تهين صاحبها. يمكنك أن تنتقد مسؤولًا أو فنانًا أو أي شخص، لكن دون سب أو تجريح أو تشهير.
فالمجتمعات لا تنهض بالصوت العالي ولا بالإساءة، وإنما ترتقي بالحوار المحترم وقبول الاختلاف. والإنسان الراقي هو الذي يستطيع أن يقول “لا أوافقك” دون أن يفقد احترامه لنفسه أو احترامه للآخرين.
وفي النهاية، تبقى الحرية حقًا أصيلًا، لكن الأدب والأخلاق هما الضمان الحقيقي لاستمرار هذا الحق دون أن يتحول إلى فوضى تؤذي المجتمع وتفرق بين أفراده.



