مصحيني من النوم ليه يا مصطفى

مصحيني من النوم ليه يا مصطفى
مقاله بقلم جرجس أبادير
كواليس مكالمة الفجر المرعبة التي صدمت حسني مبارك يوم غزو الكويت
خلف الغرف المغلقة وقبل أن تخرج البيانات الرسمية تُصنع القرارات التاريخية
في لحظات من الذهول هذه واحدة من أغرب الكواليس التي رواها
الدكتور مصطفى الفقي سكرتير الرئيس الأسبق للمعلومات
عن فجر الخميس ٢ أغسطس ١٩٩٠م
رنين الهاتف الصادم
في الرابعة فجراً استيقظ الفقي على صوت الهاتف
المتصل هو سفير دولة الكويت في القاهرة
كان زميل دراسة قديم له السفير يتحدث بصوت يرتجف
مصطفى
الجيش العراقي اجتاح الكويت بالكامل
وزارتا الدفاع والداخلية سقطتا العائلة الحاكمة هربت للسعودية
وهناك أنباء عن مقتل أحد الشيوخ أرجوك أيقظ الرئيس مبارك فوراً
تردد ضابط من الحرس الجمهوري في الإتصال بالرئيس
الفقي اتصل فوراً
بضابط الحرس الجمهوري المناوب بالرئاسة
لإيصال المكالمة للرئيس الذي كان يغط في نوم عميق
الضابط تملكه الرعب ورفض قائلاً
مستحيل..
لا أستطيع إزعاج الرئيس في هذا الوقت
الفقي قال له في مصيبة لازم الريس يعرف
لكن بعد ثوانٍ من التردد خشي الفقي من العواقب
فقال للضابط
خلاص بلاش نزعجه دلوقتي
هنا حدثت المفاجأة الضابط رد
الطلقة خرجت والتليفون بيدي جرس في غرفة الرئيس
مصحيني من النوم ليه
رفع الرئيس حسني مبارك السماعة غاضباً
وقال
في إيه يا مصطفى مصحيني من النوم ليه دلوقتي
الفقي رد بنبرة حذرة
يا فندم الحقيقة صدام حسين عمل مغامرة غريبة جداً واحتل الكويت
الصدمة الكبرى و رد فعل مبارك
مبارك صُدم تماماً ولم يصدق في البداية ظن أنها مناوشات حدودية اعتيادية
فسأل مش هو حقل الرميلة ده اللي كان بيتكلم عنه
الفقي رد
لا يا فندم ده غزو شامل واحتلال كامل للعاصمة وسقوط المؤسسات
هنا نزل الخبر كالصاعقة على مبارك
وصرخ بذهول حرفياً
يا نهار أسود ده اتجنن ده ولا إيه ده هيودينا ويودي المنطقة كلها في داهية
كانت هذه المكالمة العاصفة هي الشرارة الأولى
التي غيرت موقف مصر والمنطقة للأبد
دخلت بسببها الأمة العربية في نفق سياسي وعسكري مظلم
لم تخرج منه حتى اليوم
لكن لماذا قال مبارك هذه العبارة
تحليل هذه العبارة العفوية والصادمة من الرئيس حسني مبارك
يحمل في طياته أبعاداً سياسية واستخباراتية وجيوسياسية عميقة
لم تكن الكلمات مجرد رد فعل انفعالي على إيقاظه من النوم
بل كانت قراءة سياسية فورية و دقيقة جداً للمستقبل الأسود
الذي ينتظر المنطقة بأكملها
إليكم التحليل المفصل والدقيق لسبب قول مبارك لهذه العبارة
وماذا كان يقصد بكل جزء منها
لماذا قال مبارك ده اتجنن ده ولا إيه صدمة الخديعة الشخصية
نقض العهد المباشر قبل الغزو بأيام قليلة زار حسني مبارك بغداد ثم الكويت
التقى بصدام حسين للوساطة
صدام أعطى مبارك تعهداً شرفياً وشفهياً قاطعاً
بأنه لن يستخدم القوة العسكرية ضد الكويت
أن الحشود على الحدود هي مجرد أوراق ضغط تفاوضية
إحراج مبارك دولياً بناءً على وعود صدام خرج مبارك في مؤتمر صحفي
صرح علناً مطمئناً العالم والدول الخليجية
بأن الأزمة ستحل دبلوماسياً لا يوجد خطر غزو
عندما وقع الاجتياح
شعر مبارك أن صدام حسين خدعه شخصياً واستغله كغطاء لتمرير عمليته العسكرية
مما هز مصداقية مبارك السياسية أمام ملوك الخليج والإدارة الأمريكية
لهذا اعتبر تصرف صدام جنوناً انتحارياً سياسياً
تحليل يا نهار أسود
ده حيودينا في داهية مأزق الدولة المصرية
عسكرياً وسياسياً أدرك مبارك فوراً
أن مصر ستوضع في مأزق تاريخي لا مفر منه بين القومية والخليج
مصر كانت قد عادت لتوها للحضن العربي والجامعة العربية
بعد قطيعة اتفاقية كامب ديفيد
كانت ترتبط بعلاقات اقتصادية وعسكرية ضخمة مع دول الخليج
الغزو يعني أن مصر مجبرة على الاختيار
بين مساندة العراق الحليف العسكري القوي في مجلس التعاون العربي وقتها
أو مساندة الكويت ودول الخليج العمق المالي والاستراتيجي لمصر
مصير العمالة المصرية كان هناك أكثر من مليون مصري يعملون في العراق والكويت
أدرك مبارك أن هذه المغامرة ستشرد العمالة المصرية
وتدمر مصادر دخل آلاف الأسر
هو ما حدث بالفعل لاحقاً حيث عاد مئات الآلاف عبر ما عُرف
بـ حسابات الطوارئ والرحلات الجوية العاجلة.
تحليل وحيوّدي المنطقة كلها في داهية
النبوءة الجيوسياسية المروعة
هذا الجزء من العبارة كان بمثابة قراءة استشرافية للمستقبل
فمبارك بحسه العسكري كرجل عسكري و قائد سابق للقوات الجوية
علم أن صدام كسر المحظور الدولي وأن التبعات ستكون كارثية
فتح الباب للتدخل الأجنبي
علم مبارك أن غزو دولة نفطية وحليفة للغرب كالكويت
سيجعل الولايات المتحدة والدول الغربية تتدخل عسكرياً بكل ثقلها في الخليج
هذا يعني نهاية الأمن القومي العربي المشترك
دخول الجيوش الأجنبية لإقامة قواعد دائمة في المنطقة
هو ما كان يرفضه مبارك والقيادات العربية تاريخياً
تدمير القوة العسكرية للعراق
أدرك مبارك أن المجتمع الدولي لن يسمح لصدام بالسيطرة على 20% من نفط العالم
أن النتيجة الحتمية ستكون حرباً دولية شاملة لتدمير الجيش العراقي
الذي كان يعد القوة البرية الأكبر في العالم العربي
مما سيخلق خللاً استراتيجياً مرعباً
في المنطقة لصالح قوى إقليمية أخرى مثل إيران وإسرائيل
جملة مبارك لم تكن مجرد تعليق بل كانت توصيفاً دقيقاً ومستقبلياً
فالمنطقة بالفعل ذهبت من بعد ذلك اليوم
إلى نفق مظلم من الحروب و التقسيم
هو ما حدث من تقسيم سوريا فعليا و تقسيم العراق عقائديا
وتقسيم السودان والصومال وليبيا
الذي يحدث الان من حرب إيران و امريكا وإسرائيل
هو نتاج ما قام بها صدام عام ١٩٩٠م
انهيار العملات والحصار الاقتصادي وضياع الهيبة العربية
مما يثبت أن مبارك في أول دقيقة من الغزو
فهم أبعاد الكارثة التي لم يستوعبها صدام حسين نفسه
التاريخ لا يرحم والكواليس دائماً تخفي ما هو أعظم
جرجس أبادير



