المعاصي تطمس الفطرة
بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد حث الإسلام على رحمة الصغير والكبير والضعيف، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال ” ليس منا من لم يوقر الكبير، ويرحم الصغير، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر” رواه أحمد والترمذي، وإن الرحمة خلق عظيم، ووصف كريم، أوتيه السعداء، وحرمه الأشقياء، وإن الرحمة ضاربة في جذور المخلوقات، ومختلطة بكيان الموجودات الحية، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة في الأرض، فبها يتراحم الخلق، حتى إن الفرس لترفع حافرها، والناقة لترفع خفها مخافة أن تصيب ولدها، وأمسك تسعة وتسعين رحمة عنده ليوم القيامة” رواه البخاري، فالله عز وجل هو الرحمن الرحيم، وإن الرحمة هى صفة كمال في المخلوق يتعاطف بها الخلق، ويشفق القوي على الضعيف، فيحنو عليه بما ينفعه، ويمنع عنه شره، ويتواد بها بنو آدم، فالرحمة في الفطرة التي خلقها الله.
ولكن قد تطمس الفطرة بالمعاصي، فتكون الرحمة قسوة جبّارة ضارة، ومع أن الرحمة فطرة مستقيمة، وصفة عظيمة فطر الله عليها، فقد أكدها الإسلام، وأوجب على المسلمين التحلي بالرحمة والإتصاف بها، وإن الإسلام هو دين الرحمة، فتعاليمه لتحقيق الخير والعدل والرخاء والحق والسلام، والعبودية لله رب العالمين، ولدحض الباطل، واجتثاث جذور الشر، فقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فى كتابه الكريم “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال “الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء” رواه أبو داود والترمذي، وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من لا يرحم الناس لا يرحمه الله” رواه البخاري ومسلم، ورواه أحمد من حديث أبي سعيد وزاد “ومن لا يغفر لا يُغفر له”
وفي الحديث “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” ولقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يقبل تصرفات أصحابه، ويغض الطرف عن الشاذ منهم، ويحول المواقف الصعبة والحرجة إلى طرائف يتندر بها دون أن يضيق صدره، وينفد صبره، كان يضحك في أحلك المواقف، ويبتسم في أصعب الحالات، فعن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال “كان الرجل يهدي العكة من السمن والعسل وكان لا يدخل إلى المدينة طرفة، أي شيئا طريفا، إلا اشترى منها ثم جاء فقال يا رسول الله هذه هدية لك فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه، فقال يا رسول الله أعط هذا الثمن، فيقول صلى الله عليه وسلم ألم تهده إليّ؟ فيقول ليس عندي، فيضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأمر لصاحبه بثمنه” ومن ذلك أيضا، ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه، قال، كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه برد غليظ الحاشية فجبذه الأعرابي جبذة شديدة.
حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عنقه، ثم قال يا محمد احمل عليّ بعيري هذين من مال الله الذي عندك، فإنك لا تحمل لي من مالك ولا مال أبيك، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال ” المال مال الله وإنما أنا عبده، ثم قال، ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي؟ قال لا، قال لم؟ قال لأنك لا تكافئ بالسيئة، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أمر أن يحمل له على بعير تمر، وعلى الآخر شعير، وعن السيده عائشة رضي الله عنها قالت” جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال إنكم تقبّلون الصبيان وما نقبّلهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟” رواه البخاري ومسلم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول “لا تنزع الرحمة إلا من شقي” رواه أبو داود والترمذي، وعن السيده عائشة رضي الله عنها قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
“إن الله رفيق يحب الرفق، ويُعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على سواه” رواه مسلم، ولقد كان من كريم أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أهله وزوجه أنه كان يُحسن إليهم ويرأف بهم ويتلطف إليهم ويتودد إليهم ، فكان يمازح أهله ويلاطفهم ويداعبهم، وكان من شأنه صلى الله عليه وسلم أن يرقق اسم السيدة عائشة رضي الله عنها كأن يقول لها ” يا عائش ” ويقول لها ” يا حميراء ” ويكرمها بأن يناديها باسم أبيها بأن يقول لها ” يا ابنة الصديق ” وما ذلك إلا توددا وتقربا وتلطفا إليها واحتراما وتقديرا لأهلها، وكما كان عدله صلى الله عليه وسلم وإقامته شرع الله تعالى ولو على أقرب الأقربين، وكان صلى الله خير الناس وخيرهم لأهله وخيرهم لأمته من طيب كلامه وحُسن معاشرة زوجته بالإكرام والاحترام، حيث قال صلى الله عليه وسلم “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ” رواه الترمذي.

