مقال

المدرسة بين ضياع الهيبة وفقدان الشغف


بقلمي جمال القاضي

المدرسة بين الماضي والحاضر

شهدت العقود الأخيرة تحولاً دراماتيكياً في مفهوم المؤسسة التعليمية، فبعد أن كانت المدرسة تمثل حارة الأمان، و”الأم الثانية” التي تولد من رحمها نخب الوطن وقادته من الطبيب والمهندس إلى المعلم والمحامي، وصولاً إلى المحاسب والعامل الفني تحولت اليوم في عين الطالب من واحة للشغف إلى عبء ثقيل. إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بمرارة على واقعنا التربوي: أين اختفت تلك اللهفة السنوية والروح المشتاقة لمعانقة مقاعد الدراسة؟

طابور الصباح.. من الانضباط المقدس إلى الهامشية

لو عدنا بالذاكرة إلى “الزمن الجميل”، لكانت المدرسة قاطرة جذب حقيقية. ينتظر التلاميذ عودتهم بعد عطلة صيفية تمتد لستة أشهر كاملة، ملامحهم تفيض بالفرح والترقب. وحين كان يدق الجرس، يهرع الجميع في صفوف منتظمة تعكس هيبة المكان ونقاء التطلع. كانت الإذاعة المدرسية تصدح بتهنئة المدير، وتستفتح العام بتمارين الصباح والأنشطة التي تبث الحيوية في الأجساد والعقول.

أما داخل الفصول، فكان للمشهد قدسية خاصة؛ يقف الطلاب هيبةً واحتراماً بمجرد دخول معلمهم، في تحية عفوية تنضح بالتقدير. يبدأ التعارف، يسأل المعلم عن الهوايات، وعن أحلام المستقبل: “ماذا ستكون غداً؟ طبيباً أم مهندساً؟”. كان الحوار هو سيد الموقف، والوقت يتسع للمناقشة المستفيضة لكل جزئية، بل وكان الطالب يشارك في الشرح مع معلمه، ليكون تقييم نهاية الحصة مرآةً حقيقية للاستيعاب، ضمن نظام امتحانات مستقر يُجرى في نهاية العام الدراسي.

تطور المناهج وانفلات التكنولوجيا.. ذوبان الحدود السلوكية

مع تطور الأنظمة التعليمية، انتقل التقويم ليكون في منتصف العام ونهايته، وبدأت المناهج تأخذ منحى التحديث، وتزامَن ذلك مع دخول الإنترنت المنزلي. لكن هذا الانفتاح التكنولوجي جاء كعاصفة فتحت أبواب العالم على مصراعيها دون ضوابط، مفسحةً المجال أمام المواقع الإباحية والمنصات غير الموجهة لتخترق عقول النشء.

وكانت النتيجة المباشرة هي ذوبان الحدود السلوكية الفاصلة التي كانت تحكم العلاقة بين الذكور والإناث داخل الحرم المدرسي بعد أن كان الاحترام المتبادل مبدأً راسخاً. تحررت الكلمات من عقال الأدب، وتلاشت خطوط اللياقة، ليتقلص الدور التربوي للمدرسة وتتحول من منارة لتهذيب الأخلاق وتعديل السلوك إلى مجرد أداة لرصد الدرجات.

أزمة المستندات والتقييمات.. كيف استُنزف وقت المعلم والأسرة؟

لقد زاد الأمر تعقيداً في الآونة الأخيرة بفعل الضغط المتواصل لتطوير المناهج وتكثيف أساليب التقييم الحديثة. أصبحت المقررات أكثر تعقيداً في نظر الطالب والأسرة، وحُشيت بكمّ هائل من المعلومات التي يصعب تحصيلها ذاتياً. ومع انشغال الآباء بظروف الحياة الاقتصادية الصعبة، وعجز الأمهات أو الأشقاء عن فك طلاسم هذه المناهج المعقدة، أُلقي بالطالب في أحضان الدروس الخصوصية كخيار حتمي للنجاة.

أما الكارثة الكبرى فكانت من نصيب المعلم؛ إذ ضاع وقته داخل المدرسة ما بين التقييمات الأسبوعية والشهرية، ولم يعد يتبقى لديه متسع من الوقت لشرح الدروس أو محاورة الطلاب. انشغل المعلم بتصحيح الكراسات، ورصد الدرجات، ومتابعة كتب الطلاب، حتى تحول إلى مجرد “موظف مستندات”. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل انتقلت هذه الأعباء الورقية معه إلى منزله، ليستنزف وقت أسرته ويُحرم أبناؤه من دوره كمربٍّ في بيته، مما خلق مشكلات اجتماعية وأسرية متفاقمة.

وعلى الجانب الآخر تحول احترام الطالب لمعلمه إلى نوع من التطاول اللفظي والبدني، مستغلاً غياب العقاب الرادع وقوانين تجريم الضرب التي لم توفر بدائل حقيقية واقعية التنفيذ لضبط السلوك الشاذ والعنف المدرسي.

نحو صحوة فكرية ومؤسسية

إن الطالب اليوم يجد نفسه في حلقة مفرغة: مطلوب منه حل تقييمات مستمرة، والخضوع لاختبارات متلاحقة، ليقضي يومه مشتتاً بين مدرسة يراها بلا جدوى عملية، وبين دروس خصوصية يظنها طوق النجاة. لإنقاذ ما يمكن إنقاذه،

لذا نحن بحاجة ماسة ومستعجلة إلى استراتيجية وطنية شاملة تتضمن الآتي:

١- إعادة النظر في المناهج وأساليب التقويم:
وذلك عن طريق تصفية الحشو المعرفي والعودة لنظام الامتحانات المستقرة (الشهرية، نصف العام، ونهاية العام) لإعادة وقت الشرح والحوار للمعلم.

٢- سن تشريعات حازمة وعقوبات رادعة:
وذلك لحماية كرامة المعلم وهيبته ضد أي تطاول، وإيجاد بدائل تربوية حازمة تضبط العنف المدرسي.

٣-الأمن الصحي والسلوكي:
تطبيق آلية دورية للتحليل الفوري للمخدرات لجميع الطلاب على مدار العام الدراسي لحماية بيئة المدرسة.

٤-التوعية الأسرية الرقمية:
إطلاق حملات لإعادة الوعي الأسري حول خطورة الاستخدام غير الآمن لشبكات الإنترنت.

٥-إعلام هادف ومؤسسات دينية فاعلة:
تفعيل دور الإعلام والدراما لإعلاء قيمة المعلم، ودفع المؤسسات الدينية لنشر الفكر الديني الصحيح الذي ينبذ العنف ويحث على احترام الآخر.

واخيرا
إننا بحاجة إلى ( صحوة فكرية مجتمعية ) تعيد للمعلم مكانته الرفيعة التي تضررت معنوياً ومادياً. فالمدرسة لن تستعيد روحها، والطلاب لن يشتاقوا لأجراس الصباح، إلا إذا عادت المدرسة إلى”أماً مربية” والمعلم إلى “أباً موجهاً”، وليس مجرد مراقب في ساحة تقييمات لا تنتهي.

والسؤال الذي يطرح نفسه أمامنا جميعا:
هل ترى أن تكثيف التقييمات الورقية هو السبب الرئيسي وراء فجوة الجفاء بين الطالب والمعلم، أم أن الانفتاح التكنولوجي هو المتهم الأول؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى